.
.
.
.

البحث عن وزير!

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

فى ليالى شتاء شهر طوبة الطويلة.. شديدة البرودة، تعوّد المصرى على التسالى.. وزمان كانت التسالى للبسطاء حبات من الفول السودانى الساخنة وعيدان القصب.. والكثير من التمر الملدن الحجازى أو العراقى من شط العرب والبصرة.. وكانت التسالى للأكثر مالاً وقدرة حبات من أبوفروة «الكستن» التى تشوى أمام الكل مع بضع حبات من تمور المدينة المنورة.. والمشروبات التى تجلب الدفء.. الآن اختلفت الصورة، فلم تعد عيدان القصب متوافرة، وحتى إن توافرت فالأسنان لم تعد قادرة، وارتفعت أسعار الكل - إلا الإنسان - حتى حبات الفول السودانى فقدت طعمها.. وأبوفروة حتى الصينى منه لم يعد موجوداً.. وإن وجد فالأسعار تشوى الجيوب قبل أن تشوى أبوفروة.

فى هذا الجو لم يعد متوافراً إلا الكلام.. طق الحنك، على رأى أشقائنا فى الشام.. فهو الوحيد الذى لم تلمسه بعد أصابع الغلاء.. ولذلك نجد من المصريين من يفتتح أحاديث الصباح والمساء بالكلام عن التعديل الوزارى.. والطريف أنه بسبب تأخر الإعلان عن هذا التعديل، انطلق الظرفاء يتحدثون عن الولادة المتعسرة لهذا التعديل.. البعض يقول إن «الداية» تأخرت فى تسخين المياه.. والبعض يرى أن الحل هو فى غرفة العمليات.. ولا حل إلا الولادة القيصرية.. يعنى فتح بطن، فالدكتور أمامه حالات ولادة أخرى.. ولم يعد يستطيع الانتظار.. يا الله يا ست قيصرية.. قيصرية.. ترى هل كانت الحوامل زمان أكثر تحملاً لآلام الميلاد، وماذا لو تحدث أحدهم زمان عن ١٠ عمليات قيصرية للست الواحدة، خصوصاً أن أمهات زمان كانت الواحدة تضع - فى المتوسط - ١٠ مواليد؟!.

المهم.. باتت الأم العصرية لا تتحمل آلام «الطلق» ومتاعب الميلاد.. وبات الكل يستعجل الميلاد بالعملية القيصرية.. وأسأل هنا: ما هى علاقة القيصر الرومانى القديم بعمليات الولادة.. أم كان قياصرة زمان هم أيضا يحملون ويلدون، أو بالأصح: يلدن أطفالاً؟!.

وعندنا فى مصر، كنا أحياناً نفاجأ بالتعديل الوزارى.. بل التغيير الوزارى حسب إرادة السلطان.. وكان الكل جاهزاً لأداء اليمين الدستورية.. فالكل مستعدون.. وما أكثر ما عرفته السياسة المصرية من «عبده مشتاق» ليتمرغ الواحد منهم ما بين لقب معالى الوزير وكشك الحراسة والموكب الوزارى وكراتين الهدايا وأفضل الأشياء.. فضلاً عن طول عمره فى الوزارة.. الآن تغيرت الصورة.. وما بين وزير كان يبقى فى موقعه ٢٠ عاماً وأكثر.. ووزير لا يطول عمره بالوزارة أكثر من ستة شهور.. يعنى بالبلدى: بلاها وزارة.. بل بلاها من حملات سباب ومطاردة من الإعلام والناس، على حد سواء.. حتى بعد أن أصبح راتب الوزير ومعاشه بألوف الجنيهات.. من هنا تعرف السبب!!.

والكل يجمعون على أن السبب الرئيسى لتأخر إعلان التعديل الوزارى هو اعتذارات كل من يُعرض عليه المنصب.. حتى وإن كان الوزير يعود إلى منصبه أستاذاً فى الجامعة، أو رئيساً لمحكمة عقب تركه الوزارة.. بينما رئيس الجامعة - مثلاً - هو ملك زمانه.. والرجل الأول فى موقعه.. أما فى الوزارة فإنه يخشى لسان الناس كلهم وسوء تعامل الإعلام معه.. فضلاً عن تعدد الأجهزة الرقابية التى تطارده.. وعند أول شائعة يبدأ هذا الجهاز أو ذاك فتح ملفاته.

■ ■ وليس غريبا أن الجنين يرفض النزول.. يرفض الخروج إلى الدنيا خشية ما سيراه فيها، بينما هو آمن فى موقعه.. يأكل ويشرب ويتنفس بلا أى حساب، أما إذا جاء.. فلا يضمن أن توفر له الأم حتى علبة اللبن غير المتوافرة.. بعد أن ابتعدت معظم الأمهات عن الرضاعة الطبيعية. فلماذا ينزل؟!، واللى تعرفه أحسن ممن لا تعرفه، هذا حال ولسان كل جنين الآن.

■ ■ ثم من هو فاقد العقل، أو الفدائى الذى يقبل أن يكون وزيراً للصحة وسهام الكل موجهة إليه.. من الصيادلة ومن الناس، من مصانع الأدوية وممن لا يجدون الدواء.. وعن طول لسان البعض يطول الحديث، ومن يقبل أن يصبح وزيراً للتعليم.. فتطارده لعنات الطلبة وقبلهم أولياء الأمور.

■ ■ وبسبب هذه الاعتذارات يقال إن التعديل سوف يقتصر فقط على ٤ أو ٥ حقائب وزارية.. بعد أن كان الحديث شائعاً عن ١٠ حقائب.. فهل عدمت مصر رجالها أم عقمت نساؤها.. أم سنرى قريباً فى صفحات الإعلانات المبوبة لمن يصلح، مطلوب وزير.. ولا يشترط الخبرة.. والراتب عند المعاينة.. أو إعلانا يقول: مطلوب وزير يا أولاد الحلال؟!.

*نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.