.
.
.
.

«الشرق الأوسط الجديد»

فهد الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:

انقلب المشهد في منطقتنا وتحديداً في المملكة خلال الأشهر العشرة الأخيرة بشكل لا يمكن أن يخطر على بال أكثر المتفائلين ولا حتى المتشائمين. محلياً بدأت الحكومة السعودية بنقلة نوعية طال انتظارها، وهو برنامج التحول الوطني، الذي سيحول الاقتصاد السعودي من فكر ريعي أبوي يهدد مستقبل البلاد إلى منتج وفعال ومسؤول، في الوقت نفسه الذي تدير فيه حرباً في الجنوب لمواجهة شغب إيران وأطماعها الغبية الخاسرة. بعد شهرين من هذا الإعلان تم تقديم الرؤية السعودية المعروفة. هذا الإجراء السعودي سيولّد دولة جديدة وقوية قادرة على بناء غدٍ أفضل بقوة وثبات. دولة إضافة إلى كل ما تملك من مقومات روحية وشهامة شعب كريم وقوة دفاع، ستصبح عصية على أحلام المتربصين هنا وهناك. إقليمياً نشأت علاقة خليجية متينة بين عدد من دول الخليج بعد أن شاركت وللمرة الأولى وعلى مستوى كهذا في حرب صعبة وسقط ضحايا من كل الدول المتحالفة، وبدأنا نسمع للمرة الأولى عن تحالفات مصيرية جادة قد تؤدي إلى وحدة متكاملة. في الإطار نفسه توارت نظرية «الشرق الأوسط الجديد» التي خطط لها البعض في الغرب وورثها أوباما عندما دخل البيت الأبيض ودولته مرهقة اقتصادياً، بسبب الفوضى التي عاثت في منطقتنا وفي أفغانستان.

أوباما الذي ظن أن العراق يتجه للسلام، قرر سحب قواته على وجه السرعة من المنطقة، وتوهم أنه قادر على احتواء ملالي طهران عبر التفاوض، ووقّع معهم ذلك الاتفاق النووي العجيب. ركز كثيراً على اقتصاد بلاده، وترك المنطقة لقمة سائغة لقطط الليل. بالنتيجة لم نشاهد شرق أوسط جديداً، بل شاهدنا الفوضى في أبشع صورها، إلى درجة ربما فاجأت من حاول تشجيعها ودعمها كما تحدثت عن ذلك هيلاري كلينتون في كتابها نقلاً عن كوندوليزا رايس صاحبة فكرة «الفوضى الخلاقة». أبشع ما أنتجته من بين منتجات عدة رديئة هو ميلاد فرق دموية جاهلة ومتخلفة وعطشى لجميع أنواع الاستهتار بالنفس البشرية. الرئيس ترامب الذي لا يتفق إطلاقاً مع هذا التوجه فاز بسبب هاجس الأمن ووحدة بلاده ضد ما يسميه «عنف المتطرفين الإسلاميين»، وهو بذلك يقصد العنف الذي ولد في حضن المناطق المشتعلة في سورية والعراق وليبيا والصومال واليمن، وامتد ليضرب في دول الغرب. ومن نتائج فوز ترامب أيضاً إدراكه وقدرته على وضع الإصبع على مكان الجروح، وأقصد بذلك ربط ما نتج من عنف ودماء بفكر جماعة «الإخوان المسلمين» وما يتلقونه من دعم لوجيستي وعسكري من إيران.

السعودية، كونها الدولة الأقوى اقتصادياً وروحياً وتأثيراً في المنطقة، وهي الهدف المعلن لتوجهات إيران والجماعة إياها، أعلنت عن نواياها في تطبيق الرؤية، وبدأت التوجه نحو الانفتاح والحديث الجاد عن البيئة الاستثمارية. اجتماعياً ونحو مزيد من إضفاء الجودة على الحياة في الداخل وافقت على إقامة عدد من النشاطات الفنية التي كانت تعتبر في السابق من «المنكرات». هذا التوجه لا يقصد منه الإفساد كما يتوهم بعض المتشددين، بل خلق البيئة المناسبة للمحافظة على المال في الداخل، وخلق الوظائف، وتنويع مصادر الدخل. الأمل هو التوسع في هذا الاتجاه، وتشجيع المستثمرين على الاضطلاع بمثل هذه الأدوار كما فعلت «روتانا» في حفلة جدة قبل يومين. يتساءل الكاتب ديفيد هيرست في مقالة كتبها أخيراً ونشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية: «أين هم أثرياء المملكة العربية السعودية البالغ عددهم أكثر من 113 ألف ثري ويملكون ما يزيد على 4 تريليونات دولار! أين هم؟» ويستطرد: «الحقيقة أن الحكومة السعودية تساهلت كثيراً مع التجار والأثرياء، فتركتهم يعيشون في بلد يؤمن لهم الحماية ليلاً ونهاراً، ويؤمن لهم الاستقرار وتعاملاً مالياً من دون فرض غرامات مالية وضرائب تجارية عالية، وبالمقابل لا تجد الدولة عوائد تعود بالنفع الكبير للمواطن». وأنا أتساءل بل أين المستثمر الأجنبي الذي لا تستغني عنه أي دولة مهما علا كعبها مالياً؟ هل المملكة مكتفية ذاتياً من التنوع المطلوب في الخدمات ذات الجودة العالية؟ بالطبع لا، ولا يوجد عاقل قد يدعي ذلك. المملكة خامة جديدة تحتاج إلى كشف وتطوير، وينتظرها مستقبل مبهر لو استغلت قواها البشرية وقدرة الشعب على الإنفاق واستغلت مواردها الطبيعية من الصناعة إلى الآثار والسياحة والمناطق الخلابة المتعددة الأجواء.

الفرصة العظمى أمام المملكة اليوم، وعلى دول المنطقة المعتدلة أن تبادر باستغلال هذه الظروف الإقليمية والعالمية لتتحرك إلى الأمام بلا خوف أو تردد. الضمان الحقيقي للشرعية وللسلام والأمن هو الانتعاش الاقتصادي مع المحافظة على قوات الردع. علينا في الخليج وفي مصر والأردن ولبنان ودول الشمال الأفريقي استغلال فرصة لجم الأشرار، سواء مشاغبات الجماعات الإرهابية أم لجم طهران أم تصنيف جماعة «الإخوان» وغيرها من جماعات المتاجرة بالدين، لنبني دولنا على الأسس التي حفظت لأوروبا وماليزيا واليابان وغيرها الاستقرار ورغد العيش. زمن الأيديولوجيا ينتهي بأكبر فشل عرفته زعاماتهم خلال المئة سنة الماضية.

نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.