.
.
.
.

لا نهضة بلا سواعد وطنية

فهد الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:

مع ما نمر به من تحولات ومتغيرات وأزمات مالية تلوح في الأفق بوادر نهضة حقيقية يقودها الإنسان وليس المال القادم من الغرب والشرق ثمناً للبترول. من كان سيصدق لو قيل له قبل عقدين فقط وأنا شاهد على العصر في تلك الفترة، من كان سيصدق أن الشاب الخليجي والسعودي على وجه الخصوص (باستثناء شباب عمان والبحرين) سيقف في أكشاك وعربات يبيع القهوة والساندويتش في شكل حضاري ونظيف وأجهزة معقمة؟ اليوم هذا المنظر ملء السمع والبصر، بل إن الشباب أصبحوا يتزاحمون على حجز المكان، والمناسبة الأجمل من كل ذلك هي دعم المواطن الملحوظ في تشجيعهم بالشراء منهم.

بعد هذه المشاهد بدأت أرى في الأفق صوراً لطالما افتقدناها تتمثل في الاستحواذ على مهن أخرى. أتحدث عن نقلة نوعية في صيانة المنازل والمنشآت يقودها جيل جديد متعلم ومتحفز نحو الاتقان وكسب رضا العملاء. تخيلوا معي منشأة صغيرة ومسجلة تقوم بعمل الصيانة المنزلية في أعمال السباكة والكهرباء. تخيلوا عربة نظيفة ومجهزة يقودها شابان سعوديان ممن اختارا أعمال السباكة والكهرباء والصيانة المنزلية. سيتم الاتصال بهما عبر تطبيق ذكي مرتبط بالإنترنت ويتعرفان إلى الموقع عبر خريطة «غوغل». سيأتيان إلى الموقع وينهيان المهمة ويتركان المكان بحال أنظف مما كان عليه قبل العمل وقد يتلقيان الأجر تلقائياً وآلياً بلا مفاوضات ولا «مكاسرة» في الأسعار. في الواقع بدأ شبابنا وشاباتنا وقبل عشر سنوات ربما الانخراط في تجهيز المناسبات الخاصة والعامة من خلال منشآت متطورة لهذه المهمة وبعد تلقي التدريب المناسب للجودة المقدمة. مع هذا الاندفاع السريع لا أستبعد انخراط السعوديين والسعوديات قريباً في المطاعم والفنادق والقاعات يستقبلون ويطهون الطعام يقدمونه للضيوف. وبالمناسبة فدخل من يعمل في المطاعم يتضاعف بسرعة مذهلة اعتماداً بالطبع على المهنية وإرضاء العملاء. من يدري فقد نرى عربات صيانة السيارات في الطرق تدار بواسطة شباب مرخص بهم ويملكون العلم والخبرة كما هي الحال في الولايات المتحدة وأوروبا.

لو كنت في إيطاليا على سبيل المثال وقمت بإحصاء لكل هذه المهن التي ذكرت وهناك الكثير غيرها بمسميات متنوعة ومهارات مختلفة لخرجت بنسبة قد لا تقل عن ٣٠ في المئة‏ من إجمالي عدد القوى العاملة في تلك الدولة الصناعية والسياحية والزراعية المتقدمة. هذه النسبة تتفوق على نسبة العاملين في كل القطاع الصناعي هناك. قم بالإجراء نفسه في فرنسا أو ألمانيا أو اليابان أو الولايات المتحدة ستجد هذه النسبة أمامك. مساهمة هذه الفئات في مكونات الناتج القومي لا تقل عن هذه النسبة.

الحقيقة التي لا جدال حولها لا يمكن لأي دولة مهما ارتفعت مداخيلها المالية أن تدعي النهضة والقوة وتملك مسببات الاستمرار الحقيقية الراسخة إلا عندما يشارك سكانها بالبناء والعمل ومن يقول بغير ذلك جاهل. لهذا التحول والتوجه علاقة بالأمن أيضاً ذلك أن دخول المنازل سينحصر بأفراد سبق أن تم التعرف إلى منشآتهم وتسجيلها ومراقبتها رسمياً بما في ذلك معرفة هويات الأفراد وسلوكهم وسجلاتهم، بمعنى أن دخول الغرباء للبيوت سيقل وسيقل مع ذلك التعرف إلى محتويات هذه المنازل وتحركات ساكنيها والتفكير بالسطو عليها.

دعوني أختتم بالعامل الأهم من كل هذا وهو التحفيز والتشجيع الرسمي. أقترح على الجهات الحكومية المشرفة على هذه المهن أن تضع شروطاً للدخول في مسابقة كبرى على مستوى الدولة. يتم تنظيم الشروط والمؤهلات وتتم المراقبة ومتابعة الإنجاز وفي نهاية كل سنة يتم تقديم الفائزين بجائزة الدولة في محفل رسمي ولائق. سيكون هذا الاستحقاق بمثابة شهادة تفوق وضمان لاستمرارية المنشأة وأفرادها وتوسعهم وبناء جسور متينة من ثقة العملاء بهم. وكما نطالب الدولة بجوائز كهذه، فنحن نطالب الشباب بتقدير هذه المهن والخوض في بحورها بلا تردد. اليوم قد لا يشكل السعودي أي نسبة تذكر في تأدية هذه الأعمال، ولذا فالحديث عن مثل هذه الجوائز والاهتمام بها والترويج المدروس لها إنما هو مطلب ضرورة وليس ترفاً وعلاقات عامة.

هناك من يتصور أن الصناعة وحدها هي ما نحتاجه لنهضة كهذه، وأتفق معهم غير أن الزمن ومحدودية القطاع الصناعي يفرضان خيارات بديلة وسريعة في نتائجها. تقديم الخدمات ذات الجودة بما يعود على الاقتصاد السعودي وناتجه المحلي لا يحتاج إلى عقود من الزمن ليعكس نتائجه بخلاف الصناعة التي تعتمد على خطط طويلة الأجل.

*نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.