.
.
.
.

حليمة تعود إلى إسطوانتها المشخوطة!

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

لا عقل ولا قلب لمَنْ ينتظر نتيجة مثمرة من "التحقيق الكامل" الذي أمر به رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي بخصوص "الإصابات التي حصلت في الأجهزة الأمنية والمتظاهرين جرّاء تظاهرات أمس في ساحة التحرير وملاحقة العناصر المسؤولة عن ذلك"!
لا عقل ولا قلب للمنتظر نتيجة مثمرة، لأنّ صيغة الإعلان عن أمر السيد العبادي انطوت على تهوين كبير لما حصل في قلب العاصمة بغداد أول من أمس واستهانة بالحدث الجلل الذي أسفر، في ما أسفر، عن سفك دماء وإزهاق أرواح مسالمة.
بصرف النظر عمّن تسبّب فيه، فإنّ ما شهدته ساحة التحرير كان جريمة مروّعة سقط فيها عدد من القتلى وعشرات الجرحى والمصابين بالاختناق، هم جميعاً من العراقيين، متظاهرين أو من عناصر القوات الأمنية، بيد أنّ الإعلان الحكومي يقلّل كثيراً من شأن ما حدث ليكون مجرد "إصابات"! .. هذا خطأ ما كان على مكتب رئيس الوزراء أن يرتكبه، في الأقل إكراماً للأرواح المُزهقة وتضامناً مع العوائل المكلومة بضحاياها.
ولا عقل ولا قلب لمنتظر النتيجة المثمرة من التحقيق المرتقب، لأنه على مدى السنين والأيام التي مضت منذ 2003 حتى اليوم لم يُسفر عن نتيجة مفيدة أيّ تحقيق في أيّ قضية، بما فيها القضايا الكبرى التي هزّت أركان البلاد .. جريمة معسكر سبايكر وقبلها الجريمة الأم، سقوط مدينة الموصل وسواها، وبعدها جريمة تفجير، بل تفجيرات، الكرادة وغيرها.. عيّنات لشواهد بالمئات لتحقيقات صدرت الأوامر بإجرائها ولم تُعلن نتائجها إلى اليوم، وظلّ الفاعل في كلّ منها مجهولاً وحرّاً طليقاً، ومن غير المستبعد أنه قد عاود ارتكاب الجريمة مرّة واثنتين ..
وعشراً!
ليس ما جاء في إعلان مكتب رئيس الوزراء هو المنقصة الوحيدة في التعامل الحكومي مع حدث أول من أمس، فالتصريحات التي وجّهت الاتهام إلى عناصر "مجهولة" أو "مندسّة" بالاعتداء على المتظاهرين لم تستند إلى أيّ أساس يُعتدّ به ويُعوّل عليه. إنها الشمّاعة التي كانت الحكومات السابقة تعلّق عليها فشلها في إدارة قضية الاحتجاجات الشعبية على تردي أحوال الناس وسوء إدارة الدولة.
من الواضح إن الحكومة هذه المرة أيضاً تسعى للتنصّل من مسؤولية قواتها في قمع المتظاهرين والتعامل بقسوة مفرطة للغاية معهم. ليس في وسع عاقل أن يصدّق البيانات الحكومية من هذا النوع ويكذّب ما تنقله كاميرات الفضائيات المختلفة من مشاهد حيّة في بثّها المباشر من الميدان .. الكل رأى أنّ المتظاهرين ما كادت طلائعهم تخطو خطواتها الاولى على جسر الجمهورية من جهة الرصافة حتى بدأ الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع تنهمر عليهم .. أكثر من هذا، القوات الأمنية تمادت أكثر بملاحقة المتظاهرين المنسحبين في الشوارع المتفرعة من ساحة التحرير وفي أزقّة الأحياء القريبية، وبخاصة حيّ البتاوين. وكان واضحاً تماماً أنّ المتظاهرين لم يكن في أيديهم غير العلَم
العراقي.
حتى لو افترضنا جدلاً وجود مندسّين بين المتظاهرين، فكان من واجب القوات الأمنية وعناصر استخباراتها ملاحقة هؤلاء واعتقالهم للتحقيق معهم وكشف مَن دسّهم. لكن ما فعلته القوات الأمنية أنها قتلت عدداً من المتظاهرين وأصابت مئات آخرين، ولم تمتلك الشجاعة في قتل أو إصابة أو اعتقال مندسّ واحد!
يريدوننا أن نكون بلا عقل ولا قلب، لنصدّقهم!

* نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.