.
.
.
.

لا تتأخروا كثيراً!!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

يوم الجمعة الماضى ١٠/٢/٢٠١٧ نشرت المصرى اليوم تصريحا للمهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء، يقول فيه إن بعض الشركات فى مجال البترول سوف يتم طرحها فى البورصة، وطليعتها الأولى هى شركة «إنبى» ثم تلحقها شركات أخرى. وبمراجعة ما لدىّ من أرشيف للمعلومات وجدت أن صحيفة الوطن الغراء نشرت خبرا يوم الخميس ١٩/٢/٢٠١٥، أى قبل عامين تقريبا جاء فيه نقلا عن مصدر حكومى أن وزارة البترول حصلت على موافقة رسمية من المهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء آنذاك، بشأن طرح ١٠ شركات فى البورصة يجرى اختيارها من بين ٢٠ شركة اقترحتها وزارة البترول؛ ولم تمض أيام حتى أعلنت وزارة البترول على لسان وزيرها المهندس شريف إسماعيل، رئيس الوزراء الحالى، اعتزامها طرح ما سبق الحديث عنه من شركات. دعونا بعد ذلك نقفز لأكثر من عام، وتحديدا فى ٣١ يوليو ٢٠١٦، اجتمع الرئيس عبدالفتاح السيسى مع وزيرة الاستثمار السيدة داليا خورشيد وصرح السفير علاء يوسف المتحدث الرسمى باسم الرياسة بأن السيدة الوزيرة استعرضت برنامجا لطرح جزء من رأسمال بعض الشركات المملوكة للدولة فى البورصة. بعد ذلك بأيام نشرت الصحف المصرية أن وزارة الاستثمار بالتعاون مع وزارة المالية والبنك المركزى المصرى تعكف على وضع برنامج متكامل لطرح شركات القطاع العام فى البورصة، «يبدأ بعدد من شركات البترول وبعض البنوك»على أن تبدأ المرحلة قبل نهاية العام الحالى، وبحد أقصى يناير ٢٠١٧.

انتهى العام ٢٠١٦، ومن قبله عام ٢٠١٥، ومن بعده شهر يناير ٢٠١٧ حتى جاء الإعلان الأخير، وكانت أمور كثيرة قد تغيرت فى البلاد منها أن من كان وزيرا للبترول صار رئيسا للوزراء، وجرى ما جرى فيها من تغييرات اقتصادية عميقة فى الدولة تظهر فى معدلات البطالة والتضخم وسعر الجنيه المصرى، فالثابت أن الحياة، والاقتصاد جزء أساسى منها، لا تتوقف. ديناميكيات الحركة الاقتصادية لها طاقة كامنة فيها تدفعها إما إلى التقدم أو إلى التأخر، وصبرها قليل على الخلافات، والمراجعات، والتخوفات، ومداعبات وملاطفات الرأى العام بأنه من الممكن العيش بستة أسعار للعملة، وبقطاع عام لا تكون مهمته الإضافة إلى الموارد القومية، وإنما استنزافها. لاحظ هنا أن وزارات وهيئات كانت داخلة فى عملية الاقتراب من طرح أسهم عدة شركات فى البورصة، وكان فيها الرئاسة والوزارة ووزيرا البترول والاستثمار، وبدأ الأمر ببحث ٢٠، يجرى اختصارها إلى ١٠، وبعد ذلك يلد الجبل شركة واحدة هى «إنبى» التى لا يوجد ما يؤكد أنها سوف تطرح بالفعل على البورصة. أين ذلك الحديث الذى جرت ضجة حوله قبل نصف عام حول خطة كاملة لتوليد ١٠ مليارات دولار من مبيعات القطاع الحكومى على طريق ثورة كبرى فى مجال الاستثمار وجذب رأس المال الأجنبى إلى مصر؟.

المسألة ليست أننا نتحدث كثيرا وننتج قليلا، وإنما أيضا أننا لا نعرف أهمية الزمن، كما أننا لا ندرك فضيلة التراكم الذى وحده يحقق «التقدم» لمصر. فلم يحدث أن «تقدمت» دولة من دول العالم إلا بعد تحرير اقتصادها ومن بعده إنجاز تراكمات تضيف للناتج القومى درجة بعد درجة، وفى النهاية فإن مضاعفة الدخل المحلى الإجمالى يعطينا مؤشرا إلى أن بلدا ما انتقل إلى أعلى. فى مصر فإن الطموحات قليلة رغم الكثير من الضجيج، وعندما يصير هدفنا، وقدراتنا، أن نحقق ٤٪ معدلا للنمو فإن المثل الغربى الذى يقول إنه من الأفضل أن تأتى متأخرا من أن لا تأتى على الإطلاق، يصير غير منطبق علينا، لأنه بمثل هذه النسبة فإنها فى الواقع العملى، ومع معدل الزيادة السكانية، فإنها لا تشكل فارقا كبيرا مع عدم الوصول إلى الإطلاق. ومع الطموحات القليلة فإن كل ما نقول بسعينا إليه من مبادرات لدفع عجلة الإنتاج والتنمية يستغرق أوقاتا خرافية. فمنذ ثلاث سنوات، أو أكثر، جرى الحديث عن المثلث الذهبى، وبعد مضى المدة تمخض الجبل عن هيئة تبحث الموضوع وتتخذ القرار فيما يجب عمله. لماذا نذهب بعيدا بعد أن أعيانا الحديث عن قانون الاستثمار الذى وضع ثم نقض قبل أن يلد مذكرته التنفيذية، فكان الحديث عن قانون آخر تجرى مناقشته فى مجلس الوزراء وتبحثه هيئة قضائية، ولا يدرى أحد متى يذهب إلى مجلس النواب.

هناك أمور تجرى بسرعة مثل مشروع تفريعة قناة السويس، والأنفاق التى يجرى حفرها بين الضفة الشرقية والغربية لقناة السويس، والتوسع الهائل فى الطرق، والإسكان. قطاع التشييد فى عمومه، والسلع الغذائية، تجرى بها تطورات سريعة نسبيا، ولكن ذلك لا ينطبق لا على الصناعة ولا على الاستثمار، ولا على كل ما يتعلق بعمليات تحرير الاقتصاد ككل. الجهاز الإدارى للدولة يتحرك بسرعة السلحفاة غير عابئ لا بالزيادة السكانية السريعة، ولا بالاحتياجات الوطنية المباشرة فى الوقت الحالى، ولا بالتطلع إلى المستقبل الذى لا تنفع فيه معدلات نمو متواضعة. وبصراحة هناك عاملان إضافيان يجعلان من معدلاتنا الحالية للنمو ذات طبيعة كارثية: أولهما أن الدول التى سبقتنا تحقق هى الأخرى تراكمات ومعدلات نمو أعلى مما يجعل الفارق بيننا وبينها يتسع نتيجة حصيلة تقدمها المتسارع وتقدمنا المتباطئ. وثانيهما أن هناك إجماعا بين الفقهاء فى التنمية والتكنولوجيا أن العالم بسبيله إلى دخول ثورة علمية وصناعية وتكنولوجيا رابعة سوف تقلب العالم مرة أخرى رأسا على عقب، ومن الطبيعى أن الأمم الجاهزة لها من الآن، بالتعليم والقوانين والمعرفة، سوف تحرز تقدما هائلا يجعل المسافة بيننا وبينها مثل تلك الواقعة الآن بيننا وبين السماء السابعة.

وبصراحة لا يوجد لدىّ حل سحرى لهذه المعضلة التى تقوم على أن نظامنا السياسى- والقانونى، والاقتصادى- ليس جاهزا لعملية نمو عالية ومتسارعة ومستمرة. نظامنا العام يقوم على فكرة «المشروعات القومية» التى يخصص لها دور القاطرة التى تقود بقية الاقتصاد القومى نحو التقدم والمكانة الرفيعة. مثل ذلك ربما كان مفيدا فى أزمنة قديمة عندما كان بناء الأهرامات يقلل من نسبة البطالة فى وقت فيضان النيل، ومن يعلم، ربما، أن الفراعنة كانوا يخططون لدخل لا ينضب لأحفادهم من المصريين فى المستقبل. فى الوقت الحالى فإن «المشروع القومى» يكون عادة ابن زمنه، فالسد العالى كان عاليا وهائلا ويحل جميع مشكلات مصر وقتها خلال الستينيات، والآن فإن ما يقدمه من كهرباء لا يزيد على ٨٪ من الاحتياجات المصرية، وكذلك ما أضافه من غذاء ومياه. الأمر يسرى على باقى المشروعات القومية التى فى حالة صوابها ربما تفيد لفترة زمنية محدودة وبعدها تأتى الزيادة السكانية والتغيرات التكنولوجية والانقلابات العالمية لكى تجعل ما كان قصة تاريخية.

لا يوجد هكذا مكان لكى نتأخر كثيرا، ولا بد أن هناك طريقة أخرى اتبعتها أمم أخرى لكى تخرج القوانين والقرارات إلى حيز التنفيذ فى فترات أسرع، ولا بد أن هناك سبيلا لكى يقوم مجلس الدولة بمراجعة القوانين بسرعة واجبة تجعل الحصاد قادما فى وقت مفيد، ولا بد أن هناك وسيلة ما لكى نجعل طرح أسهم شركة متوسطة القيمة ممكنا دون انتظار لسنوات. بعض دول العالم التى سبقتنا جاءت بشركة أجنبية عظمى، كما فعلت ألمانيا مع القطاع العام فى ألمانيا الشرقية؛ وبعضها الآخر اعتمد على مؤسسات دولية للقيام بما ليس من القيام به بد، وبعضها الثالث كان لديه القدرة والشجاعة لكى يفعل ذلك خلال فترة زمنية قصيرة. المهم فى كل الأحوال ألا نتأخر كثيرا لأن لكل تأخير ثمنا، وفادحا أيضا؟!.

نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.