.
.
.
.

إيران الحلم والكابوس

فهد الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:

إيران تحلم كثيراً وتصمم وتحاول إقناع كل من يجلس معها بأنها تحلم أحلاماً جميلة، وفي النهاية يتحول الحلم إلى كابوس. تحركات إيران مضحكة جداً لمن يتأمل خصوصاً جلوس وزير خارجيتها محمد جواد ظريف على طاولات الكبار في ما يخص الشأن السوري.

تذكرني هذه القصص بسائق العربة الذي لا يحمل رخصة قيادة، ويسير في طريق محفوف بالضياع، وقد تسبب سوء قيادته ببعض الحوادث والإضرار بالبيئة. يظن هذا الشخص أنه يحقق مكاسب هنا وهناك، ويضع ركاب العربة في حالة عداء مع أي طرف يحاول إخراجهم من هذه الفوضى.

فعلاً أرى تجولك في عواصم العالم كـ «شريك» في مفاوضات مضحكاً ومقززاً أيضاً، كونك تفعل ذلك ونصف شعبك يعيش تحت خط الفقر. على هذا الوزير الذي يظهَر بهندام التحضر والإيتيكيت ويُستقبَل بنوعٍ من الحفاوة، أن يدرك أن من يجلس معهم لن يبقوا له قوة ومكانة خارج حدود جمهوريته «الإسلامية». الوزير ظريف يتنقل من مكان إلى آخر، وكل ساسة وحكومات العالم يتحدثون علناً عن قص أجنحته وإعادته إلى مكانه، بما في ذلك روسيا التي ظنّ متوهماً أنها ستسمح له بموضع قدم في سورية. جلوسه اليوم بالطبع مرير، وهو يفعل ذلك من باب لعل وعسى أن يفرجها الله. لكن وبصرف النظر عن العالم، هل يعتقد هؤلاء المؤدلجون في إيران بأن العرب، وأقصد سورية واليمن وحتى لبنان، سيقبلون في بلادهم بسلطة تحتكم إلى إيران إلى الأبد؟ ألم يقرأوا التاريخ جيداً؟

منذ هبوط طائرة "إر فرانس" في مطار طهران وعلى متنها الخميني في الأول من شباط (فبراير) ١٩٧٩ وهذه الدولة تترنح ولا تعرف كيف ترتب أولوياتها. تريد أن تصبح دولة قوية ومركزية في المنطقة، لكنها لا تعتمد في تحقيق هذا الهدف على القوة والحكمة، ولا على النمو الاقتصادي بل على الأيديولوجيا فقط.

أخيراً لجأت إلى تطوير المفاعلات النووية بحجة حاجتها للطاقة، والعالم يراقب ذلك ويهددها إن هي اتجهت إلى التسليح النووي، ومع ذلك تصارع وتفاوض وتحاول الفرار من هذه التهديدات. قد أفهم أن يحاول بلد ما في توجه ما، لكن أن يستمر أربعة عقود فهذا إفلاس.

يا لها من سياسة خرقاء تلك التي تدفع بهؤلاء المعممين في هذه الاتجاهات المتشتتة، عوضاً عن بناء الداخل الإيراني، والاستفادة من قدرات شعبها الخلاق المبدع.

وبمناسبة الحديث عنها، وأقصد الأيديولوجيا، فقد يقبل المراقب تدخل الأيديولوجيا في السياسة من وقت إلى آخر من دولة عظمى كالولايات المتحدة أو بريطانيا كما يلوح لنا هذه الأيام، لأنها دول قوية، وأولوياتها محددة، وحققت منجزات كبرى في تاريخها. أقول ذلك للمقارنة فقط، أما الحقيقة على الأرض فإن السياسي هناك في الغرب ومهما بلغ به التطرف الأيديولوجي سيضطر إلى أن يقف عند حدود المواد الدستورية الصارمة.

لكن أن تتحكم الأيديولوجيا بدولة نامية وتنال بسببها العقوبات والحصار لأربعة عقود، فهذا هو المثير والمضحك وشر البلية ما يضحك.

على مدى هذه العقود الأربعة، فرّ من إيران معظم صفوتها من العقول، وها نحن نراهم في دول الغرب والشرق يمارسون التجارة والابتكار والإبداع، بل إن معظم هؤلاء قد حصل على جنسيات جديدة.

لا أقول إن الشعب الإيراني جبان ولا يستطيع الخلاص من هذا الحكم، لأنهم جربوا الخروج عليه قبل بضع سنوات بعد أن بلغ اليأس ذروته، لكن الرئيس أوباما تحديداً خذلهم عندما تجاهل تلك الحركة السلمية الكبرى التي وأدتها بنادق الحرس الثوري التي وجهوها إلى صدور شعبهم.

ماذا لو كان ظريف يجلس على طاولة لبحث التعاون مع دول الجوار وبناء تكتلات اقتصادية تعود على شعبه بالمنفعة. ماذا لو كانت إيران تتقدم دول المنطقة بالحصول على جوائز نوبل في الطب والسلام والثقافة. المشكلة أن مثل هذا الظريف يجلس هناك وأياديه ملطخة بدماء الشعب السوري العربي النقية. يجلس ويفاوض وزوارقه وسفنه الصغيرة تنقل الأسلحة وأدوات الموت لليمن الشقيق في مهمة عبثية يستحيل نجاحها. وقد حاول قبل ذلك تخريب البحرين، لكن الحسم السريع من دول المجلس أفشل مخططه. هل ستستوعب إيران خطأ توجهاتها؟ هل نتوقع ظهور إحصائيات وأرقام توضح حجم الفرص الضائعة التي لم تستغلها هذه الجمهورية على مدى الأربعين عاماً، وهو الزمن الذي شهد هذه النهضة العلمية العالمية الهائلة التي نعاصرها اليوم؟

الحقيقة أن للدول كل الدول، في العالم حالات تدرس في الجامعات للمختصين. هناك دول تنهض في أزمنة قصيرة جداً وتبهر العالم بنهضتها. هناك في المقابل دول تراوح مكانها ولا تشعر بالحاجة للنهوض إلا في أوقات متأخرة. إيران ليست هنا ولا هناك. الحالة الإيرانية هي وجود دولة تدار بعقول جاهلة متخلفة مليئة بالكراهية والأحقاد، لم تجد ما تمتطيه وتقمع من يفتح فاه معارضاً غير الدين. خرج «المطاوعة» هناك من سراديب التهميش في زمن الشاه، ليجدوا أنفسهم في الصفوف الأمامية. عاثوا في تلك البلاد الغنية الرائعة بطقوسها وطبيعتها وثرواتها فساداً قد يحتاج ربما إلى قرن كامل لإصلاح آثاره وعواقبه سواء المادية على الأرض أو البشرية. الخميني عاد لإيران من المنفى مع زمرته ليضع البلاد كلها في منفى جديد لا تزال تعيش به.

نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.