.
.
.
.

محمد بن نايف... رجل الأمن الدولي

عبدالله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

تسلّم الأمير محمد بن نايف ولي العهد وزير الداخلية السعودي، جائزة «تينيت» التي تقدمها وكالة الاستخبارات الأميركية، في أول جولةٍ يقوم بها مديرها مايك بومبيو منذ توليه منصبه، وهي جائزة بالغة الأهمية وتقدمها الوكالة تقديرًا «للعمل الاستخباراتي المميز في مجال مكافحة الإرهاب»، وكذلك نظير إسهاماته غير المحدودة في تحقيق الأمن والسلم الدوليين.
هذا حدثٌ مهمٌ، واعترافٌ مباشرٌ من أكبر وكالةٍ للاستخبارات في العالم بالدور الكبير الذي لعبته ولا تزال تلعبه المملكة العربية السعودية من جهودٍ لمكافحة الإرهاب ومحاربته، وفي تبرئة الإسلام من أعمال الإرهابيين والبشاعات والتوحش التي يرتكبونها باسمه.
يكتنز هذا الحدث اعترافًا كبيرًا يضاف لاعترافاتٍ أخرى سبقته من بريطانيا وفرنسا وغيرهما من الدول بالدور المهم والمشاركة الفاعلة على المستوى الدولي للسعودية وأجهزتها الأمنية، من المباحث العامة إلى الاستخبارات، ممثلةً بشخص قائدها وصانع أمجادها الأمنية وباني النموذج الأمني السعودي الذي شهد بنجاحه وتفوقه العالم؛ الأمير محمد بن نايف.
كانت السعودية على خلافٍ مع الإدارة الأميركية السابقة، إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، فهو كان منجذبًا لكل خصوم السعودية من إيران وتغلغلها في كثير من الدول العربية بخلايا التجسس وبنشر الطائفية كسلاحٍ سياسي، وبصنع الميليشيات الإرهابية الشيعية المسلحة، وبدعم تنظيمات الإرهاب السنية، كـ«القاعدة» و«داعش»، إلى جماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابية في أكثر من بلدٍ عربي، وعلى رأسها السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية، ومع ذلك استطاعت السعودية ودول الاعتدال العربي تجاوز فترتيه الرئاسيتين دون التنازل عن الحقوق المشروعة أو التهاون بأي شكل في حماية السيادة والاستقرار والأمن للدول العربية والشعوب العربية.
سرعة تسليم الجائزة بعد وصول الإدارة الجديدة للرئيس دونالد ترمب تؤكد ما أشار إليه الرئيس السابق في حديثه مع موقع «ذا أتلانتيك»، الذي أكد فيه دفاع المؤسسات الأميركية العريقة والعميقة عن دور السعودية الفاعل حول العالم في محاربة الإرهاب ودعم الاستقرار، في المنطقة والعالم.
وكما أكد ولي العهد في تعليقه على تسلم الجائزة، فإن العلاقات الاستراتيجية ضاربة الجذور في التاريخ بين السعودية وأميركا ستستمر وستتعمق في المرحلة المقبلة، وتعود لسابق عهدها، وهذا صحيح لأن مصالح البلدين ومصلحة العالم تكمن في هذا التحالف العتيد، الذي أثبت مرارًا وتكرارًا أنه بالغ النفع والفائدة للأمن والسلم الدوليين.
التوافق السعودي الأميركي الجديد يبعث على أملٍ كبيرٍ في حلولٍ خلاقةٍ ونوعيةٍ لأزمات المنطقة، ابتداء من الأدوار الإيرانية التخريبية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول بشكلٍ فجٍ وفاضحٍ يستهين بالمؤسسات الدولية وبمبادئ الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وسيكون لهذه المبادئ عودةٌ للمشهد الإقليمي والدولي.
لم يكذب رجال الوطن ورجال محمد بن نايف قائدهم، بل كانوا على الموعد ودون ترتيبٍ، وكشفوا عن القبض على أربع خلايا عنقودية تابعة لتنظيم داعش في عملية نوعيةٍ متزامنةٍ واستباقيةٍ جديدةٍ قبل أيام، تم فيها القبض على ثمانية عشر عنصرًا من تنظيم داعش، فيهم سعوديون ويمنيون وسوداني، في أربع مناطق هي مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض والقصيم، وقد كانت أدوارهم خطيرةً ومؤثرةً، وهي وإن لم تكن قياديةً بشكل كبيرٍ، فإنها لم تكن صغيرةً أو تنفيذيةً فحسب، وهي، كما أكد اللواء بسام عطية، خلايا منظمة ومتماسكة، والنجاح في القبض عليها ليس لارتخائها أو ضعفها، بل لقوة ودقة وتميّز الأجهزة الأمنية التي كانت أفضل منها وأكثر جهوزية وخبرةً.
هذه الخلايا الأربع المقبوض عليها والمنتهي خطرها كانت، بحسب تصريحات اللواء منصور التركي، معظم عناصرها فوق الثلاثين عامًا، وهو ما يؤكد أن ظاهرة الإرهاب لا يمكن تفسيرها بمجرد شبابٍ صغير السن ومتحمسٍ فقط لا غير، ولكنها نتاج تربيةٍ تتسم بالتطرف والتشدد أخذت عقودًا لتكتمل وترسخ في أذهانهم، فهم ليسوا أغرارًا ولا مغررًا بهم، بل واعون كل الوعي بالأدوار التي يقومون بها، مما يعني ضرورة أن يتنبه العالم بأسره إلى جذورهم والأسس والمفاهيم التي تمّ ترسيخها في عقائدهم وأدمغتهم، وهو ما يؤكد أن الحلول الجزئية غير مجديةٍ، وأن الحلول التي تتبع الجذور هي الأصح والأكثر فائدةً.
محاربة الإرهاب على المستوى الدولي ستظل مثل محاربة طواحين الهواء، إذا ظلت مكتفيةً بملاحقة الغصن لا الجذر، والفرع لا الأصل، والنتيجة لا المقدمة، وستظل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية مجبرةً على ملاحقة أسماء مجهولة وعناصر محتملة وخلايا تعمل تحت الأرض، والأفضل في الحل والأنجع في القضاء عليها هو الالتفات للمحرضين والمغررين بشكل مباشرٍ، وتتبعهم ومعاقبتهم بالتشريعات والقوانين الصارمة والتنفيذ السريع.
ثمة معطيات عميقةٌ لصراعات المنطقة والعالم، يجب الوعي بها قبل بناء أي استراتيجيات لمواجهة الإرهاب، ومنها أسئلة حادةٌ من مثل مَن يمثل الإسلام اليوم؟ ومن يمثل الإرهاب؟ وهل المسلمون هم الإرهابيون فقط؟ أو المتطرفون الذين يؤسسون لهم من الأصل ثم يبررون لهم فيما بعد في قالب التفسير؟ وهل ثمة صراعاتٌ كبرى في المنطقة تحتاج لفهمٍ أعمق ودراسات أدق؟
هذه أسئلة مشرعةٌ أمام صناع القرار في العالم، والمفكرين الاستراتيجيين، والمثقفين الواعين، والمتخصصين والكتاب، وكل صاحب رأي صادقٍ ومخلصٍ في محاولة تخليص البشرية من هذا الداء العضال.
هناك صراعٌ كبيرٌ على تمثيل الإسلام في المنطقة والعالم، وهناك مشاريع موجودةٌ للوصول إلى هذه الغاية، هناك مشروعٌ معتدلٌ للدول العربية، ومشروعٌ راديكالي لبعض الدول الإقليمية، ومشروعٌ طائفي وإرهابي لإيران، ومع التأكيد الدائم على براءة الإسلام من الإرهاب، فإن المسؤولية الكبرى تقع على المسلمين لمواجهته والقضاء على شروره، لأنه اليوم يريد أن يحتكر الإسلام في بشاعته وتوحشه.
تعداد المسلمين يتجاوز المليار ونصف المليار، ولو كانوا كلهم إرهابيين لأحرقوا العالم بأسره، والتنظيمات الإرهابية هي تنظيمات قليلة العدد على هذا المستوى، ولأجل النجاح في مواجهتها يجب أن يوضع في الاعتبار الجماعات التي تجند المسلمين ليصبحوا متطرفين وجاهزين للتحول للإرهاب، وتلك هي جماعات الإسلام السياسي مهما اختلفت تسمياتها وتعددت فروعها وتوسع انتشارها.
أخيرًا، فالمنطقة مقبلةٌ على تغييراتٍ مهمةٍ بالاتجاه الصحيح الذي يستعيد فيه العالم توازنه واعتداله، وستحصد السعودية وحلفاؤها ثمار سياسات الحكمة الممزوجة بالحزم، والعقل المختلط بالعزم والأمل.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.