.
.
.
.

العلو والتدنى

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

لا توجد مهنة عظيمة وأخرى حقيرة أو متدنية، كما يتصور بعضنا، كل المهن لها احترامها وتقديرها الخاص، مادامت قائمة طبقاً للقانون، ومَن يرصد حال المجتمع المصرى فى بدايات القرن التاسع عشر وحالنا الآن، سوف يكتشف انقراض عدة حرف وبعض المهن، وتبدل أحوال بعضها، فضلاً عن تغير النظرة المجتمعية لكثير من المهن، وما يمكن أن نرصده هنا أن نظرة المجتمع، أو بالأحرى بعض فئاته، تعلو وتهبط إلى القائمين على المهنة، أى مهنة، بغض النظر عن ماهية تلك المهنة ذاتها، وفق اعتبارات عديدة.

والمؤكد أن لدينا مهناً، يكبر أصحابها والقائمون عليها، ويكافحون فى سبيل الارتقاء بها، وأخرى يهبط بها مَن يمارسها والمقيمون عليها، تأمل- مثلاً- مهنة الطب فى مصرنا العظيمة، فى وقت ما كانت هذه المهنة فى عهدة حلاق الصحة أو المشعوذين والدجالين، راجع- من فضلك- قصة فقدان د. طه حسين بصره فى طفولته، كما رواها فى رائعته «الأيام»، ثم حدث الارتقاء بهذه المهنة، حين صار لدينا «قصر العينى»، وما تبعه من كليات الطب، ومن ثَمَّ صار عنوان مهنة الطب: على باشا إبراهيم، ود. نجيب محفوظ ود. مجدى يعقوب ود. محمد غنيم ود. محمد أبوالغار، وعشرات، بل مئات الأسماء العظيمة، وبات يُنظر إلى كلية الطب، باعتبارها كلية القمة، وإن كنت لا أرحب بتلك التسمية وذلك التصنيف.

الأمر نفسه ينطبق على مهنة الصحافة، فى وقت من الأوقات، كانت الصحافة بالنسبة لكثيرين فى مجتمعنا، مهنة النميمة والثرثرة وكشف عورات الناس، وإحداث الوقيعة بين أفراد المجتمع، ومَن يقرأ حيثيات حكم المحكمة الشرعية سنة 1904 بتفريق الشيخ على يوسف، صاحب ورئيس تحرير جريدة «المؤيد»، عن زوجته «صفية السادات»، حفيدة الشيخ السادات، سوف يجد نصاً كل هذه الأوصاف، بل أشد منها فى مقت الصحافة والصحفيين، ثم تغير المجتمع وتطورت نظرته إلى الصحافة بظهور صحفيين كبار ارتقوا بمهنتهم والتزامهم بمقتضياتها وترسيخ تقاليدها وقواعدها من تنوير المجتمع وتقديم المعلومة الصحيحة والموثقة، فضلاً عن الموقف الوطنى العام، وصار عنوان هذه المهنة أسماء فى قامة فكرى أباظة ومحمود عزمى وعبدالقادر حمزة ومحمد التابعى والأخوين على ومصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل، وإحسان عبدالقدوس وأحمد بهاء الدين وعشرات الأسماء، فارتفعت نظرة المجتمع بهذه المهنة، وبعد أن كان الصحفى يظهر بصورة زرية فى بعض الأفلام القديمة، وجدنا رئيس مجلس الشيوخ، قبل ثورة 1952، صحفياً وهو د. محمد حسين هيكل باشا، رئيس تحرير السياسة الأسبوعية، فضلاً عمن صاروا وزراء وسفراء من الصحفيين، وهم كثر.

الأمر يبدو أوضح فى مجال الفن، لفترات طويلة، ظل المجتمع يطلق على الفنانين مسمى «عوالم»، بما يحمله من دلالات اجتماعية وأخلاقية سلبية للغاية، حتى إنه لم تكن شهادة الفنان تُقبل فى المحاكم، وكانت أى فنانة تريد أن تسافر خارج مصر لابد أن تحصل على تصريح خاص من «مباحث الآداب»، ثم أطل علينا فنانون فى وزن أم كلثوم وعبدالوهاب وفاتن حمامة، والقائمة تطول، فتغيرت النظرة الاجتماعية، وجدنا بعض الفنانين والفنانات يُنتخبون أو يُعيَّنون فى البرلمان، ويحتفى بهم الرؤساء، بدءًا من الرئيس جمال عبدالناصر، وصولاً إلى الرئيس السيسى، مروراً بالرؤساء السادات ومبارك وعدلى منصور.

أكرر أنه لا توجد مهنة عظيمة وأخرى حقيرة، كما أن ارتقاء أى مهنة فى جيل ما أو مرحلة تاريخية لا يعنى ذلك حكماً أبدياً، إذ يمكن أن يأتى جيل أو أجيال، فى مهنة ما، لا يدركون تقاليد ومقتضيات مهنتهم، ولا يلتزمون قواعدها وآدابها، ويفقدون الحدود الدنيا من المعارف حولها، فيهبطوا ويسيئوا إليها، وتتغير- بالتالى- النظرة الاجتماعية للمهنة، أو بالأحرى للقائمين عليها.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.