.
.
.
.

الغلاء.. هل يؤجل الإصلاح؟

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

موجة الغلاء الرهيبة، التى يعانى منها الناس الآن، يمكن أن تؤجل المخطط العلمى والضرورى للإصلاح الاقتصادى.. ولكننى لا أتمنى ذلك.. فقد بات هذا الإصلاح ضرورياً حتى تنطلق مصر.. ولكن ما أخشاه أن تتراجع الدولة عن استمرار هذا الإصلاح، الذى أراه تأخر كثيراً، لأنه كلما تأخر زادت الأعباء على الناس، بل وصعب تنفيذه، فى المستقبل.

وليس سراً أن حكاماً عديدين لمصر خضعوا لهذا التصور.. وأوقفوا، أو أبطلوا برامجهم للإصلاح خشية انهيار الدولة.. بسبب غضبة الجماهير.. ويروى لنا تاريخ مصر المعاصر تجارب عديدة أوقفت هذا الإصلاح.. والسبب: غضبة الشعب.. وربما يكون ما حدث عقب أحداث يناير 1978 خير مثال.. فها هو الرئيس أنور السادات، الذى حقق أكبر نصر عسكرى لمصر فى القرن العشرين، يخضع بكل ما يملكه من رصيد شعبى جارف لرغبة الشعب.. ويضطر مكرهاً إلى إيقاف البرنامج الإصلاحى الذى قدمه - وبدأ تنفيذه - الدكتور عبدالمنعم القيسونى، بعد المظاهرات العارمة التى خرجت معترضة على زيادة أسعار بعض السلع.. فقد خشى السادات من انفلات الوضع الأمنى. فعل السادات ذلك رغم قناعته الشخصية بأهمية هذا البرنامج الإصلاحى.. والآن يجمع كل المراقبين على أن هذا التراجع لم يكن سليماً بالمرة.. ولو كان قد تم تنفيذه لتجنبنا الكثير مما يعانى منه الناس الآن، ولكن الهاجس الأمنى تغلب.. وبذلك تأجل هذا البرنامج الإصلاحى.

وظل الهاجس الأمنى - بل الخوف من تحرك الناس - هو الذى يحول دون تنفيذ أى برنامج إصلاحى جدى.. فى مصر. ومن المؤكد أن هذا الهاجس وضعه الرئيس حسنى مبارك أمام عينيه، ولذلك كان يؤجل الإقدام على أى مشروع للإصلاح الاقتصادى، بل كان، ومن طول خبرته، يؤخر أى خطوة.. إذ كانت أمام عيونه ما حدث فى شهر يناير الشهير.. ولذلك كان يجيد كما يقول التعبير البلدى «تلبيس طاقية هذا لذاك».. ولذلك طالت فترة حكمه!!

واللافت للنظر أن أحداث يناير - أيام حكم السادات - جاءت بعد انتصاره فى حرب أكتوبر.. تماماً كما تجىء الآن خطة الإصلاح الحالية، فى أعقاب ثورتين عارمتين.. وكما قال الناس - أيام السادات - جعلونا نصبر حتى نحقق النصر، وكانت النتيجة: هذا الغلاء الذى تضمنته خطة الدكتور القيسونى.. فإنهم يقولون الآن كيف يكون ثمن قيام الشعب بثورتين هو هذا الغلاء الفادح الآن؟. وهى تساؤلات مشروعة الآن.. كما كانت أيام السادات.

وإذا كان الدكتور القيسونى لم يقبل التراجع عن برنامجه، وكان وقتها، نائباً لرئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية، ووزيراً للتخطيط فى حكومة ممدوح سالم، وكان معه - فى نفس الوزارة - عدد من أكبر عقول مصر الاقتصادية، منهم د. حامد السايح، وزيراً للاقتصاد والتعاون الاقتصادى، والدكتور صلاح حامد، وزيراً للمالية، وضمت وزراء كباراً، منهم د. إبراهيم بدران للصحة، وحسب الله الكفراوى للإسكان والتعمير، متعه الله بالصحة، والشيخ الشعراوى للأوقاف والأزهر، وإبراهيم شكرى للزراعة والإصلاح الزراعى، وبطرس غالى وزير دولة للخارجية وإسماعيل فهمى نائباً لرئيس الوزراء للخارجية، وهلال للبترول، وأبوالعطا للرى.. المهم أن هذه الوزارة كلها لم تصمد للنهاية، واضطر رئيسها ممدوح سالم إلى تقديم استقالته.. رغم أنه قام بتشكيل حكومته الخامسة بعدها مباشرة، فى مايو 1978، وخرج منها - بالاستقالة - الدكتور القيسونى.

المهم كانت هزة، أو هبة الحرامية - كما أطلق عليها السادات - هى التى قصمت ظهر محاولة الإصلاح الاقتصادى هذه.. وظلت درساً يضعه أى حاكم نصب عينيه!!

■ ■ وها هو المهندس شريف إسماعيل يضطر إلى تعديل حكومته منذ أيام، وهو الذى لم يتحمل غضب الناس على وزير تموينه الأسبق.. فتم تغييره.. وربما بسبب كل هذا الغلاء يتعرض رئيس الحكومة لما لم يتعرض له أى رئيس حكومة على مدى قرن كامل.. فهل يمكن أن يصمد رئيس الحكومة الحالى لكل هذا الغضب العاتى إلى أن ينفذ برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى هو أكثر ضرورة للبلاد؟.

■ ■ أم يصمد إلى حين، أى بعد أن يمضى ولو لعدة شهور قليلة، لهذا الغضب الشعبى الجارف، خصوصاً أن الحكومة لم تبذل ما يكفى للصمود أمام هذا الغلاء .. سواء بضبط آلية الأسواق.. أو بالاستعداد كما يجب لما بعد هذه القرارات.

■ ■ وإن كنت أعتقد أن الحكومة عمدت إلى أسلوب الصدمات.. حتى تنتهى، وبأى ثمن، من تنفيذ الجزء الأكبر من هذا الإصلاح.. الذى ارتبط بكارثة الدولار التى تضرب كل شىء.

المهم: هل تصمد الحكومة، وإلى أى مدى؟.. أم تضطر مرغمة إلى تأجيل برامج الإصلاح؟! أم تمضى كما مضى الدكتور القيسونى ومجموعته الاقتصادية؟.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.