.
.
.
.

اللاجئون لمصر.. وعطاء بلا حدود

عباس الطرابيلي

نشر في: آخر تحديث:

لم يتوقف أحدنا عند تصريح المهندس شريف إسماعيل، رئيس الوزراء، عن أن مصر تستضيف حالياً حوالى 5 ملايين لاجئ يعيشون الآن على أرض مصر.. بجانب سكانها الأصليين الذين يصل عددهم إلى حوالى المائة مليون.. جاء ذلك خلال استقبال رئيس الوزراء لنائب رئيس البرلمان الألمانى.. بينما ألمانيا نفسها تعانى من عدة ألوف - من المهاجرين حالياً - وتقاوم قبول أكثر منهم!! ولكن هكذا قدر مصر وشعبها.

إذ إن مصر ومنذ قديم الزمان كانت هى الملجأ الأمين والأكثر أمناً، حتى من بلادهم، لكثير من شعوب الأرض حولها: من الشرق حتى غرب الصين.. ومن الغرب حتى المغرب.. ومن الجنوب، من قلب أفريقيا.. بل كانت حلماً للقادمين من الشمال، عبر البحر المتوسط، من أوروبا. وليس غريباً أن كثيراً من الأوروبيين كانوا يحلمون بالحصول على فرصة عمل - أى فرصة للحياة - لينعموا.. بخيرات مصر.. وما جاءت جاليات ضخمة لتعيش فى مصر طلباً لرغد العيش فيها إلا لهذا السبب، الذى جاءت بسببه أعداد غفيرة من اليونان وإيطاليا وقبرص ومالطة وكريت وصقلية.. بل من فرنسا وإسبانيا أيضاً.. وعودة إلى أصول الكثير من العائلات المصرية القديمة ذات الأصول الأجنبية تؤكد ذلك. ففى مصر حتى الآن عائلات القبرصلى والجريتلى والصقلى، فضلاً عن المغربى والفاسى والطرابلسى والكثير من الأئمة والمتصوفة مثل الشاطبى وأبوالعباس المرسى «من مرسية جنوب إسبانيا».

ولقد شهدت مصر موجات شديدة من الهجرات من الشرق. المغول والتتار الذين سكنوا مناطق باب اللوق والحسينية والجمالية.. والأرمن من أوائل القرن العشرين.. والشوام - وبالذات من المثقفين والتجار والصحفيين - والعراقيين. ولذلك نجد فى مصر: عائلات العراقى والبغدادى والموصلى والكردى والبصرى «من البصرة»، رغم أن العراق من أغنى شعوب الأنهار غزيرة المياه!! بل أكاد أقول إن شعوباً عديدة كانت تحلم بالحصول على «عقد عمل» فى مصر.. وها هم اليهود أيام سيدنا موسى يرفضون التقدم معه إلى فلسطين ويعلنونها صراحة أنهم يريدون العودة إلى مصر لينعموا بعدسها وفومها وبصلها!! ولا تنس عائلات أرمينية عديدة استوطنت مصر وفضّلتها بعد فترة الشتات الرهيب بسبب الطغيان التركى، وصارت لهم فى مصر مدارسهم وكنائسهم وفنونهم.. بل أوقافهم!!

ونقفز إلى السنوات الأخيرة.. وبالذات بعد كوارث الربيع العربى وما حل بالشرق الأوسط - من غرب آسيا - إلى دول شمال الصحراء الكبرى فى أفريقيا وإلى قلب القارة السوداء.. فنجد فى مصر الآن - كما أعلن رئيس الوزراء - خمسة ملايين لاجئ يعيشون على أرضها: من سوريا الحبيبة أعانها الله على مأساتها.. وقد هاجر أكثر من ربع شعبها!! إلى ليبيا التى عاشت عصرها الذهبى أيام القذافى رغم «تخريماته وشطحاته» ومن يتحرك غرب مصر، من واحات الوادى الجديد جنوباً إلى السلوم ومرسى مطروح شمالاً، إلى الإسكندرية معشوقة الليبيين، يسمع اللهجات الليبية من أبناء على الأحمر وأخوالهم.. لأن لهم إخوة وجذوراً ليبية فى كل هذه المناطق، حتى الفيوم، على مشارف القاهرة.

وإذا كان التوانسة فضلوا الهجرة إلى الشمال، إلى فرنسا بالذات، وإلى المناطق الجزائرية القريبة من حدودهم.. فإن منهم من لجأ لمصر.. وهم بمئات الألوف.. أيضاً تستضيف مصر أعداداً كبيرة من الإخوة السودانيين، من شمال السودان إلى جنوب السودان الذى يكتوى بنيران الحرب الأهلية.. فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من أبناء الصومال، الذى يعيش ثلث شعبه خارج أرضه بسبب صراعات شاويشية الحرب وأمراء الصراع.. ويكاد يكون الصومال هو ثانى مأساة عربية بعد قضية فلسطين.. وتضاف إليهم الآن أعداد غفيرة من أبناء اليمن الذين يعيشون ربما نفس أجواء انهيار سد مأرب الذى شهد بعدها أكبر هجرات.. تشبه إلى حد كبير ما يعانيه أبناء اليمن الذى كان سعيداً.

** خمسة ملايين شقيق يعيشون الآن فى مصر، وترحب بهم مصر الرسمية ومصر الشعبية وتقدم لهم كل ما تملك.. ولا تفرق بينهم وبين شعبها من المصريين الذين منهم من هو أكثر حاجة من بعض المهاجرين إليها.. ولكن ذلك هو قدر مصر.. تماماً كما حدث أعقاب اجتياح المغول لدولة الخلافة العباسية وسقوط بغداد عام 1258م.. فلم يجدوا إلا مصر.

** ورغم ما يمثله هذا العدد من أعباء اقتصادية وتموينية.. إلا أن شعب مصر المضياف يقدم لهم - عن طيب خاطر - ما يجعلهم يقتسمون معنا لقمة العيش وغموسه، الذى نستورده بالدولار.

** ولم يرتفع صوت مصر تطلب مساعدة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية رغم أن هناك مساعدات من هذه وتلك تصل إلى بعض هؤلاء اللاجئين.. ولكنها لا تساوى شيئاً.. بجانب ما تقدمه مصر وشعب مصر.

وعمار يا مصر.. هكذا دورك منذ قديم الزمان.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.