.
.
.
.

ماذا عن إيفانكا اليهودية؟!

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

في كل مرة يكتب المناصرون للمرأة مقالاً، أو يقولون رأياً يدافعون فيه عنها، يرد عليهم المخالفون باعتراضات متنوعة.. بعضها جادٌّ وآخر ساخر.. وثالث مستغرب من الفكرة ذاتها.

أول هذه المواقف تقول: لماذا الدفاع عن المرأة وحقوقها، وهناك قضايا ملحة أكثر أهمية منها؟ ويضيفون بنبرة مؤامراتية السؤال الاستنكاري: "ولكن لماذا الآن؟!".

الرد على هذا الموقف - بحد ذاته - يدعو للخجل، ولكن سنقوله على أية حال. لأن المرأة إنسان وقضية الإنسان أهم من قضايا الاختناقات المرورية وارتفاع سعر الأرز والدجاج.

أما "لماذا الآن؟"، فهو سؤال بلا معنى، يتكرر في كل مناسبة، وصالح أن تستخدمه قبل نصف ساعة من نهاية العالم. وبالتأكيد هو سؤالٌ الهدف منه تعطيل أي شيء ممكن أن تنجزه في الحياة. ولكن لماذا نعتقد أن إصلاح الإشارة المرورية في آخر الشارع قضية ملحة ومصيرية، أهم من قضية المرأة الإنسان ولا نسمع أحد المعترضين يردد السؤال المفضل: "ولكن لماذا تريد إصلاحها الآن؟". من السخرية المرّة أن تكون قطعة من الحديد أو رغيف الخبز أهم من الإنسان، حتى لو رددنا القصائد المخادعة عن حب الأم واحترام الأخت.

الرد الثاني يردده خبراء المقارنات الدولية والكاشفون لأمراض أوروبا وأميركا التي لا يعرفها إلا هم وثلة من طلابهم. في كل مرة نتحدث فيها عن حق المرأة يعترضون بالقول: وماذا عن حقوق المرأة في الغرب؟!

هذا الاستنكار غريب ومجاهر بالباطل. غريب لأن المقارنة لا مكان لها. عندما أقول إنني أطالب بحق المرأة، ما علاقة بشر في قارة أخرى بالموضوع. كأني أطالب مثلاً بإصلاح قوانين الطلاق بالمغرب أو استصلاح الأراضي الزراعية في السودان، ويعترض شخص غاضب بالقول: "ولماذا لا يصلح الإنجليز مزارعهم؟!". موضوعان منفصلان تماماً. ولنتخيل فقط أن حقوق المرأة منتهكة في أوروبا والعبودية ما زالت مترسخة في أميركا.. هل يعني هذا ألا نصلح أوضاعنا ونطور من حالتنا؟ لكنه بالطبع مجرد خيال، والمعترضون يريدون إقناعنا بالقول إن حقوق المرأة مسلوبة في الغرب، رغم التقدم "المزيف" لذا ليس هناك نموذج يمكن الاقتداء به.

ماذا يمكن الرد على هذه المجاهرة العلنية بالخطأ. ربما أفضل ردٍّ مع موضة الهجوم على ترمب واتهامه بالعنصرية وتحويله لكبش فداء، هو أن نتذكر ابنته إيفانكا. هذه المرأة غيَّرت دينها وتحولت إلى اليهودية ولم توصف بالمرتدة الهالكة، بل إن الأب "العنصري" عدَّ ما قامت به أمراً لا يستحق حتى التفكير. تقيم في البيت الأبيض وتؤثر على والدها الرجل الأقوى في العالم هذه الأيام، وقيل إنها السبب في تنعيم خطابه الأخير. ومع هذا سيخطب أحد بجرأة يحسد عليها ويقول: "تأكدوا أن المرأة في البلاد الكافرة بلا حقوق".

هيلاري كانت على بعد خطوتين من الوصول للبيت الأبيض وتاتشر أنقذت بلادها من الإفلاس، بعد أن ركعت ذليلة أمام البنك الدولي. الأمثلة كثيرة ولا تتعلق بالشخصيات المشهورة، ولكن على المستوى الاجتماعي. من مضيعة الوقت إنكار أن المرأة الأوروبية والأميركية لم تحصل على الكثير من حقوقها. ومع هذا كله المقارنة كلها مقحمة وهدفها التضليل ولا تعنينا من الأساس.

الرد الثالث من يصفون هؤلاء المطالبين بالتغريب والانحراف إلى آخره من هذه الاتهامات التي لا تنتهي. من الصعب الرد على هذه الاتهامات، لأنها لا تناقش بل تحاكم وتنفذ. أفضل رد في تصوري هو دعوة الله لهم بالهداية.

الرد الرابع يقوله بعض المثقفين المنغمسين في قضايا فكرية وجدلية أكثر عمقاً وأهمية من هذه القضايا الثانوية، التي يؤكدون أنها تفرق ولا تجمع. لهذا فإن الانغماس في تفكيك بنيوية الشعر الحداثي أهم بمراحل من أن يرزح نصف المجتمع تحت قوانين وتقاليد غير عادلة. الصحيح فعلاً أنه ليس كل مثقف يجب أن ينشغل بهذه المسألة الأخلاقية وإلا تحولت المسألة كلها لمزايدات طفولية على الآخرين ولكن بذات الوقت لا أحد ينكر أن المسألة شديدة الأهمية. ولكن أسوأ نوع من مدعي الثقافة هو من يستخدم المجادلات الفكرية لتدمير القيم الإنسانية. لا يختلف هؤلاء عمن يستخدم الثقافة أو العلم لتبرير تفوق عرق على آخر، كما فعل المثقفون الذين برروا جرائم النازية في ألمانيا أو انتهاكات العبودية في أميركا.

ولكن بعيداً عن السخرية والمزايدة على الآخرين، من المهم أن نفكر بالأمر بوضوح وبطريقة ربما جديدة. من الأفضل تغيير كلمة حقوق المرأة والحديث عن إنسانية المرأة، لأن كلمة حقوق ابتذلت وأصبح استعمالها مدعاة للضجر. إنسانية المرأة أفضل، لأنها تؤكد مرة بعد أخرى على قيمتها الإنسانية والحقوق تلحقها بعد ذلك. هذا سيخفف من التناول الخاطئ للمسألة وكأنها حرب بين جنسين قادمين من كوكبين مختلفين وهذه الطريقة التي تفضلها بعض الناشطات النسويات. ندافع جميعاً عن المظلومين أو المضطهدين ولا نسأل هل هم رجال أو نساء؟ وبعد ذلك نقرر هل نساعد أم لا؟ نهب بلا تفكير لنجدة الغريق بدون أن نسأل عن جنسه. إذا غرق سنخسر إنساناً وليس ذكراً أو أنثى. نحزن على فراق من نحب بدون أن نزيد جرعة الحزن إن كان ذكراً ونقللها إن كان أنثى أو العكس. نغضب لتعرض الأطفال للتحرش ولا نفكر هل هو طفل أم طفلة؟

تبدو الأمور جلية إذا فكرنا بالأطفال، ولكن لماذا تتعقد إذا تقدم هؤلاء الأطفال بالعمر؟

الإجابة بسيطة عن سؤال: أهمية الدفاع عن إنسانية المرأة.

لثلاثة أسباب:

أولاً: لسبب أخلاقي ونفسي. سنشعر بالانتقاص من قيمتنا كأفراد لو رأينا بشراً آخرين لا يختلفون عنا، ينتقص منهم بدون أن نقول كلمة واحدة.
ثانياً: لسبب عملي وجماعي، لأن الشعوب لا يمكن أن تتحضر وتتطور بدون أن يشعر الجميع رجالاً ونساء بأنهم يملكون ذات القدر من القيمة والاحترام.
ثالثاً: لسبب إنساني خصوصاً للآباء والأمهات من لديهم فتيات صغيرات يريدون لهن أن يعشن المستقبل في مجتمعات تقدر قيمتهن ومواهبهن، وتحقق لهن السعادة الكاملة بدون أن يشعرن بأنهن ولدن في الزمان والمكان الخطأ.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.