هل كان خطاب ترمب في الكونغرس رئاسياً بالفعل؟

هشام ملحم
هشام ملحم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لأن الرئيس دونالد ترمب عودنا على الخطب النارية، التي يلقيها بلهجة حادة، والتعميمات والمبالغات التي يلجأ إليها عندما يتحدث عن انتصاره الانتخابي التاريخي، والحركة السياسية التي خلقها "والتي لا مثيل لها"، ولأنه يتلذذ بتحقير أعدائه والسخرية من خصومه، جاء خطابه الأول أمام مجلسي الكونغرس مفاجأة لخصومه وأنصاره، لأن الخطاب للوهلة الأولى بدا "تقليديا" يمكن أن يلقيه مثلا الرئيس جورج بوش الابن، وخاصة في ما يتعلق بتخفيض الضرائب ومكافحة التنظيمات الإرهابية. كما بدا الخطاب حتى للمحللين ومنتقدي الرئيس ترمب "رئاسيا" لأنه تفادى رشق خصومه بالوحل أو وصفهم "بالخاسرين" أو "الفاشلين". ولأن الخطاب خلا من محاولة شيطنة وسائل الإعلام، تعامل معه بعض الصحافيين ببعض النعومة، وكأنهم نسوا أن ترمب أعلن الحرب ضدهم، وحرض الأميركيين عليهم بصفتهم "أعداء الشعب" الذين لا يتورعون عن تلفيق الأخبار وفبركتها لكي تتناسب مع أجنداتهم الليبرالية.

من الواضح أن الذين صاغوا خطاب الكونغرس، هم غير الذين صاغوا خطاب التنصيب السوداوي، ومن الواضح أن ترمب بعد أربعين يوما في البيت الأبيض هو غير ترمب الذي تحدث للأميركيين في خطاب التنصيب قبل ساعات من دخوله للبيت الأبيض كرئيس.

ردود الفعل الإيجابية نسبيا، شجعت البيت الأبيض على تأجيل الإعلان عن الصيغة الجديدة لحظر سفر رعايا الدول السبعة ذات الأكثرية المسلمة، والتي كان مستشارو الرئيس والقانونيون في وزارة العدل يعكفون على وضعها بطريقة تضمن عدم تعليقها من قبل القضاء، لأنهم أرادوا إبقاء الاهتمام الإعلامي والسياسي مركزا على الخطاب وليس على أي شيء آخر لبضعة أيام. وفي هذا السياق سربت مصادر في البيت الأبيض لبعض الصحافيين أن وزيري الدفاع والخارجية جيمس ماتيس وريكس تيليرسون، إضافة إلى مستشار الأمن القومي الجديد أيتش آر ماكماستر قد طلبوا من البيت الأبيض حذف اسم العراق عن هذه القائمة، بسبب الضرر السياسي الذي ألحقه وضع العراق على القائمة الأصلية بالعلاقات الثنائية، خاصة أن التعاون العسكري بين البلدين قد دخل مرحلة حساسة مع وصول معركة تحرير مدينة الموصل من احتلال داعش من فصلها الأخير. وفي هذا السياق شدد ترمب على أن الحرب الشاملة ضد داعش سوف تستمر، مشيرا إلى الخطة التي طلبها من وزارة الدفاع لمحو داعش من الوجود، والتي استلمها قبل أيام. وقال ترمب إن داعش يمثل "شبكة من المجرمين الوحوش الذين ذبحوا المسلمين والمسيحيين، والرجال والنساء والأطفال من جميع الأديان والمعتقدات". وتعهد بالعمل "مع حلفائنا، بمن فيهم أصدقاؤنا وحلفاؤنا في العالم الإسلامي لمحو هذا العدو البغيض من هذا الكوكب". وأضاف "ولا يمكننا أن نسمح لأمتنا بأن تصير ملجأ للمتطرفين..".

بعض المعلقين تساءلوا: هل وجد ترمب صوته الحقيقي؟ هل تعلم ترمب من دروس الأخطاء التي عصفت بالبيت الأبيض خلال الأربعين يوماً الماضية، والتي أدت إلى مواجهة خاسرة مع القضاء الأميركي الذي منعه من تطبيق قراره التنفيذي حول منع دخول رعايا 7 دول ذات أكثرية مسلمة، ومواجهة شرسة مع وسائل الإعلام التي ساهمت في الكشف عن الاتصالات المحرجة التي أجراها مستشاره السابق لشؤون الأمن القومي مايكل فلين وأدت إلى إقالته؟

ولكن الأسلوب الملطّف، والنبرة الوفاقية بعض الشيء، والغياب النسبي لقدح وذّم الخصوم من خطاب الرئيس لم يغير من حقيقة أن ترمب لم يتخل أو يتراجع عن مواقفه الأساسية التي عبّر عنها في خطبه العديدة خلال الحملة أو خلال المرحلة الانتقالية بعد انتخابه. وعلى سبيل المثال تمسك ترمب بموقفه السلبي من الهجرة والمهاجرين غير الموثقين، وكرر تمسكه بإقامة الجدار على الحدود مع المكسيك، لا بل صعّد من موقفه حين كشف أنه طلب من وزارة الأمن الوطني إنشاء مكتب خاص لخدمة الأميركيين من ضحايا جرائم المهاجرين، مدعيا أن هؤلاء الضحايا – الذين يتعرضون لأعمال إجرامية على أيدي مهاجرين - لا يتلقون التغطية الإعلامية التي يستحقونها.

وتحدث ترمب عن برامج ووعود طموحة من بينها تخفيض الضرائب، واستبدال قانون الضمان الصحي للرئيس أوباما ببرنامج بديل، وتخصيص تريليون دولار لإعادة بناء البنية التحتية في البلاد، إضافة إلى زيادة الإنفاق العسكري، ولكنه لم يقل من أين سيأتي تمويل هذه الوعود والبرامج، إذا أراد تفادي زيادة العجز الفيدرالي. وسوف يجد ترمب نفسه في مواجهة حتى مع الجمهوريين المحافظين في الكونغرس الذين يرفضون من حيث المبدأ قيام الحكومة الفيدرالية بتبني هذه المشاريع المكلفة.

كما أن الخطاب تضمن ما يمكن وصفه "بحقائق ملفقة" من بينها ادعاء ترمب أن عدداً من الشركات الكبيرة مثل فورد وجنرال موتورز وسبرينت ولوكهيد وأنتل وغيرها أعلنت أنها سوف "تستثمر المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة ولخلق عشرات الآلاف من الوظائف الأميركية الجديدة". ولكن الواقع هو أن معظم هذه الشركات قد اتخذت قراراتها بعدم نقل مصانعها إلى الخارج قبل انتخاب ترمب. وبعد أن قال إن الولايات المتحدة تدعم حلف الناتو "بقوة" بعد أن كان قد شكك بجدوى الحلف خلال حملته الانتخابية، وبعد أن انتقد معظم أعضائه لأنهم لا يخصصون 2 بالمئة من ميزانياتهم للإنفاق العسكري، أضاف أنه بعد "المناقشات الصريحة التي أجريناها بدأوا بذلك، وفي الواقع أستطيع أن أقول لكم إن الأموال تتدفق الآن". ولكن الواقع هو أن 4 دول فقط في الحلف التزمت بذلك في السنة الماضية. وخلال حديثه عن مكافحة "الإرهاب الإسلامي المتطرف" وهي عبارة يرفضها مستشار الأمن القومي ماكماستر ووزير الدفاع ماتيس قال ترمب إن معظم الأعمال الإرهابية في أميركا منذ هجمات سبتمبر 2001 قام بها أفراد جاؤوا من الخارج. وهذا صحيح بالنسبة لهجمات 2001، ولكن الهجمات التي وقعت لاحقا قام بمعظمها مواطنون أميركيون.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط