هل نتقبل العزاء في الليبرالية العربية؟

ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

يحظى المفكرون الليبراليون العرب بالقليل من الاهتمام في حياتهم، والنسيان شبه الكامل بعد وفاتهم. باستثناء تقرير موسع نشر على "العربية.نت"، فإن اسم الكاتب والمثقف الليبرالي الكويتي أحمد الربعي نسي تماماً في ذكرى وفاته التاسعة التي مرت الأسبوع الماضي. وقبل سنوات مات المفكر الجزائري الليبرالي الشهير محمد أركون ودفن بصمت في المغرب، وشاهدت مؤخراً الفيلم الوثائقي الوحيد ربما عن حياته وأفكاره المستنيرة. وأتذكر أني التقيت الفيلسوف السوري الراحل جورج طرابيشي قبل سنوات في باريس، وبدا منعزلاً ووحيداً، وسُر بشكل محزن عندما أخبرته أن هناك عدداً لا بأس به من الأجيال الصاعدة تقرأ كتبه وتتأثر بها.

ليس في الأمر غرابة، لأن الليبراليين العرب ورغم أن أفكارهم انتشرت في النصف الأول من القرن الماضي التي سميت بمرحلة النهضة العربية الثانية، إلا أنها تعرضت للوأد مع صعود الأنظمة العسكرية القمعية بخطابها القومي الإقصائي، وتراجعت أكثر مع تزايد موجات التطرف الديني التي استعرت في نهاية عقد السبعينات.

سيطرة التيارات الثورية والإسلاموية على الشارع والإعلام والمدارس والجامعات، أضعفت بشكل كبير الخطاب الليبرالي وشخصياته التي حاصرته الاتهامات من كل الأطراف. المتحمسون القوميون اتهموهم بالعمالة، والمتطرفون الدينيون اتهموهم بالمروق. أما الناس العاديون المتربون على تعاليم خصومهم فاعتبروهم مجرد متأوربين ومتأمركين لا أكثر.

ولكن هل يعني هذا أن الليبرالية العربية التي تم تلطيخها من المثقفين ورجال الدين والجمهور العريض جثة جاهزة للدفن والعزاء؟

الحقيقة على العكس تماماً، فالأفكار الليبرالية وعلى الرغم من التعتيم التعليمي والتجاهل الشعبي إلا أنها تستعيد الحياة بشكل أقوى من السابق.

لو تأملنا فإن هناك أسباباً كثيرة أفضت لهذا الانتعاش الحيوي. أهمها يعود بشكل أساسي إلى طبيعة الأفكار الليبرالية التي تزداد منطقية مع الوقت. كل شيء تقريباً قالوه ثبتت صحته رغم المقاومة المستمرة. فكرة التسامح الديني من أهم الأفكار المترسخة في أدبياتهم. نادوا طويلاً بالإصلاح الديني واحتضنوا هم شخصياً أفكار الأنوار والحداثة. كما نعرف، هذه الأفكار حظيت بالقليل من الاهتمام. والأوضاع المأساوية في البلدان العربية التي تصاعدت فيها الطائفية الدينية والسياسية، وانتشرت فيها الجماعات الإرهابية وقوافل الانتحاريين غير المنتهية، كلها تثبت أنهم محقون ولكن بعد أن سفكت ولازالت دماء الأبرياء.

فكرة المنهج العلمي التي نادى بها مفكرون ليبراليون مثل سلامة موسى منذ عقود طويلة، أثبتت صحتها مع تراجع المستوى العلمي في الجامعات العربية، وتزايد علماء الإعجاز العلمي وهم في الحقيقة مجرد مشعوذين آفّاقين. من المخجل أن نرى دول العالم تتنافس على الجوائز العلمية مثل نوبل وغيرها ويغيب العلماء العرب عنها. الجوائز ليست مهمة بحد ذاتها ولكنها تعكس المستوى الحضاري الذي تصل له الأمم، لأن المؤسسات الأكاديمية حاربت العلماء الحقيقيين، واحتضنت المؤدلجين، فقد انهار بشكل متوقع مستواها. وينطبق ذات الشيء على المؤسسات الطبية أو البحثية التي ازدهرت خارج بلدانهم.

الليبراليون هم منظرو الواقعية السياسية الكارهة للشعارات والطرح المؤامراتي والمؤمنة بالتواصل والانفتاح. لم تنجح مدرستهم السياسية، وشهدنا بعد ذلك زعماء عرباً رفعوا شعارات العروبة والأمة الواحدة يقتلون شعوبهم قبل أن يتم إخراجهم بشكل مذل من الحفر وأنابيب المجاري، ويتم شنقهم وقتلهم كالخراف.

وهم منادون بفكرة الحرية الفردية الشخصية، وإذا ألقينا نظرة سريعة حول العالم فإن أسعد المدن والعواصم هي التي تكفل حرية الأفراد الشخصية، وأتعسها هي التي تكتم على أنفاسهم.

المبادئ الليبرالية قابلة للحياة والتطور، ولكن طبيعة العالم الجديد والمتغير يناسبها بشكل أكثر من أي نظام فكري آخر. النظام الدولي هو في حقيقته نظام ليبرالي تأسس بعد حرب الثلاثين عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت، ونشأ رسميا بعد التوقيع على معاهدة ويستفاليا عام 1648.

تطور هذا النظام مع الوقت ومسحت ثورة الاتصالات والطيران الحدود القومية بين الدول. حاولت الدول الشيوعية مثلاً تأسيس نظامها العالمي الخاص بها ولكنها فشلت بشكل نهائي بعد أن انضمت الصين آخر الممانعين إليه.

التنمية الاقتصادية وتطور مفهوم حقوق الإنسان أصبح داعماً أكثر للروح الليبرالية. التنمية الاقتصادية قائمة بشكل أساسي على حرية السوق والتنقل والأفكار، وعواصم المال العالمية تجدها في نيويورك ولندن وليس في كابل ومقديشو. تطور حقوق الإنسان هو تطور في مفهوم الحرية واحترام للقيمة الآدمية، لذا أصبح العنصريون والمؤمنون بالتفوق العرقي والقومي منبوذين حول العالم. العالم الليبرالي الجديد طردهم كما طرد الإرهابيين مثل بن لادن والبغدادي والظواهري، وأجبرهم على الاختفاء في الكهوف والسراديب. تلاشت العبودية بفضل الأفكار الإنسانية، وتطور حق المرأة من تابعة للرجل إلى رئيسة عليه.

هكذا كان العالم الليبرالي يزدهر خارج الحدود العربية ويتراجع داخلها. المفكرون الليبراليون العرب نادوا منذ مدة طويلة بالانضمام إلى هذا النادي الحضاري ولكن لم يستمع لهم أحد. مع فشل خطاب التيارات الفكرية الأخرى التي أنتجت داعش والحشد الشعبي والأسد ونصر الله، ومع ثبوت أن الوصفة الليبرالية هي الأكثر نجاحاً حول العالم، تستعيد الأفكار الليبرالية العربية بعض المصداقية والمشروعية التي سلبها منها خصومها وأعادها لها الواقع.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط