.
.
.
.

الغباء والتعليم

محمد النغيمش

نشر في: آخر تحديث:

أرسلت لي قارئة، صورة ضوئية لاختبار ابنها (7 أعوام)، الذي يدرس في مدرسة أميركية بالخليج العربي، وقد وضعت له المعلمة علامة الخطأ على إجابته، عندما اختار أن يضع علامة تعجب (!) في نهاية الجملة التالية: «الأب يصنع بسكويت الكوكيز!». فغضب الطفل من إصرار المعلمة على ضرورة أن يختم الجملة «بالنقطة» وليس بعلامة التعجب!، والسبب كما قال لأمه، أنه لم ير قط أباً يصنع البسكويت في المطبخ.

هذا الطفل بالتأكيد ليس غبياً، لأنه أعمل عقله وتأمل في واقعه، فكانت إجابته واقعية، على الأقل في منزله أو في مجتمعه، لكن المشكلة في رأيي تعود إلى فكرة «الاختبارات الموحدة»، التي تمنح جميع الطلبة، على اختلاف قدراتهم وإبداعاتهم، ورقة صغيرة لنقيمهم معاً، وكأننا نحاول إنتاج علب موحدة في مصنع!

ذكرتني هذه الحادثة بمقولة العالم أينشتاين، حينما قال إن «كل فرد منا فيه عبقرية، غير أنك حينما تحكم على السمكة من خلال مقدرتها على تسلق الشجرة، فذلك يجعلها تمضي سائر حياتها معتقدة أنها غبية»!

وذلك ينطبق على فكرة الاختبارات، إذ إن الاختبارات المدرسية لا تعكس بالفعل مقدرة الفرد الحقيقية. والدليل أن كثيراً منا فوجئ في بيئات العمل، بالقدرات المميزة لطلبة لم يكونوا يوماً من أوائل الطلبة المتفوقين، لكن قدراتهم الفذة تدفقت حينما انخرطوا في ميادين الحياة والعمل.

وهذا ما دفع التربويين، على ما يبدو، لتداركه بالتوجه الحديث في التعليم بإشراك التلاميذ أكثر في تمرينات تطبيقية وتفاعلية، بدلاً من رتابة التلقين الذي يتبخر بسرعة. فانخفضت، مثلاً، نسب الاستماع خلال الحصة لصالح مزيد من المشاركة والتطبيقات العملية والتساؤلات.

وهناك حقيقة تغيب عن بالنا، وهي أن النظام التعليمي كان فكرة رائدة، وتم تسويقه في بلدان كثيرة للقضاء على الأمية، والأهم على أنه سلم لبلوغ الوظيفة، فكلما علا تعليمك نلت فرصة الحصول على وظيفة أعلى. فالعامل بمصنع يحتاج تعليماً محدوداً، مقارنة بالأستاذ في الجامعة أو التنفيذيين مثلاً.

غير أن العصر الحديث وتزايد المنافسة وتدفق مواهب البشر وقدراتهم، صار يحتم علينا ضرورة إعادة النظر بالنظام التعليمي، بحيث يمكن أن يُخَرِّج لنا أجيالاً أكثر إبداعاً لا يحكم على عقولهم وقدراتهم بمن ينهي الاختبار في المدة الزمنية المحددة، ويجيب عن كل الأسئلة.

صحيح أن النظام التعليمي نفع ملايين ونورهم، لكنه في المقابل، سبب صدمة نفسية ووأد إبداعات كثيرين، لأنه لم ينصف مواهبهم من جهة، ومن جهة أخرى، لأن المعلم نفسه لم يستطع أن ينتبه إلى قدراتهم، وإن انتبه، فلا نظام تعليمياً يساعده على وضع هذا النابغة أو الموهوب في مكانه الصحيح.

وفي دراسة شهيرة لجورج لاند، كان يطبق اختبار الإبداع فيها لاكتشاف نوابغ وكالة الفضاء (ناسا)، تبين أنه كلما تقدم العمر بالإنسان، قل معدل إبداعه، إذ وجد أن الأطفال في سن الخامسة، كان معدل إبداعهم 98 في المئة، ولما اختبرهم في سن العاشرة انخفض إبداعهم إلى 30 في المئة، وفي سن 15 بلغ 12 في المئة فقط. أما البالغون، فكانت نسبة إبداعهم 2 في المئة فقط.

وأحد الأسباب برأيي، أن الطفل كان يفكر بحرية إبداعية مطلقة، وما إن اعتاد فكرة الفصل الدراسي، حتى صار يساوره الشك في مقترحاته، لأنه تعوّد أن هناك إجابة واحدة صحيحة، أو أن أحداً من حوله سيخطئه. وهو ما يناقض فكرة الإبداع التي تطلق للفرد العنان بالتفكير. ولا ننسى أن أصل حل المشكلات، هو المقدرة على التفكير بصورة جيدة. وأي حياة لا تخلو من المشكلات؟.

وإذا ظل نظامنا التعليمي يعاملنا بمسطرة واحدة، فلا عجب إذا بقي بيننا من يظن أنه عاجز عن حل مشكلاته ومواجهة تحدياته، لأنه يشعر بشيء من الغباء، وإن كان نابغة زمانه.

*نقلا عن صحيفة "البيان".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.