.
.
.
.

باريس والآخرون، بغداد والآخرون

صباح ناهي

نشر في: آخر تحديث:

بحثت في أغلب أماكن الأفلام الفرنسية في باريس عن فيلم قدمه نادي السينما العراقي قبل أكثر من عقدين باسم “باريس والآخرون” بتصرف من رئيس النادي والمترجم، تحاشيا لاسم الفيلم الأصلي “elc” أو “نحن وهم” لمخرجه الفرنسي كلود ليلوش، الذي يلخّص حال المثقفين الغربيين الذين عاشوا في فرنسا ومحيطها، من الدول التي عانت من الاحتلال النازي والحرب التي شنت عليهم، وكيف تعامل الفنانون والكتاب مع تحدياتها.

وبين كل تلك المآسي، يستل ليلوش حكايات عن مغنية فرنسا إدث بياف التي غنت للجنود الألمان وحلق الفرنسيون شعرها وطافوا بها شوارع باريس أمام الناس ليخزوها، وعن نيوريف راقص البولشوي الأسطورة الذي هرب من الحكم الشيوعي، وحكايات لا تنتهي عن النجوم الذين أجبرتهم الحرب على الاغتراب.

حاولت كثيرا ولم أحصل على نسخة منه، لعلي أستوحي ثيمة فيلم عربي والخروج بمحصلة عن مثقفي بلداننا العربية، عن أولئك المثقفين المقاومين والمهادنين والعملاء الذين أرشدوا الغزاة لبلدانهم حين طالت الحرب أبوابها ومتاحفها وبعضها ممّن خربتها الثورات التي انفجرت دون تخطيط داخلي أو ثوار مفكرين يقودونها أمامي.

خمسة نماذج من مثقفين عرب عاشوا في تلك البلدان وكانوا يحلمون بغد عربي، لكن الحرب خرّبت بلدانهم وحياتهم وداهمت شوارع مدنهم وطالت حاراتهم وتغيروا بالكامل. كيف صيّرت أنماط تفكيرهم ونثرتهم في العالم وهجروا العراق وسوريا ومصر واليمن وليبيا وتونس ولبنان وسواها؟ كيف أعيد تركيب الحرب على العراق لتدار قرب شارع أبي نؤاس وليس الجبهات والسواتر؟

المثقفون العراقيون وآخرون من حولهم لم ينطقوا بعد بلغة الفرز والصراخ كالذي قام به ليلوش قبل نصف قرن وأعاد في فيلمه “نحن والآخرون” حكايات مثقفي أوروبا وهم يتعاملون مع الحرب التي داهمتهم.

تعنّ عليّ فكرة أن يُنجز فيلم يحمل عنوان “بغداد والآخرون” فيه قصص عميقة وعلاقات وتشابكات تمتد بين ما هو سياسي وقومي وإنساني وإعجاب ببلد كان الرشيد حاكمه والمأمون صانع ثقافته والحسين شهيدا فيه ومنائر الأولياء والصالحين تنير دروب الحق وتستحث الخطى إليه.ما حدث للعراق يحتاج إلى أكثر من فيلم ملحمي حيث تستحث عاصمته الثكلى موضوعا تتصدى له السينما بسيناريو عميق ومخرج ذكي، ليسطّر لنا مشاهد ملحمية عن الاحتلال والمقاومة واختزالا لحرب شاملة بكامل آثارها، أليس من حق الأجيال الحالية أن تعرف ماذا حدث؟

نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.