.
.
.
.

مستشرقون... آداب وإرهاب

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

تحول كتاب الراحل إدوارد سعيد «المستشرقون» إلى مرجع أول في هذا الباب، شرقاً وغرباً. وصدرت في الولايات المتحدة وأوروبا، بضع محاولات في الرد عليه بقيت هامشية ودون أثر يقارن بالأثر الذي حفره كتابه في عالم التأريخ والأدب. وقد اعتقدت في تلك المرحلة أن المفكر والأستاذ الأكاديمي، أغفل الإشارة إلى مجموعة كبرى من علماء الغرب الذين درسوا قضايانا بتجرد أو بتعاطف، والذين ندين لهم بالكثير من حفظ التراث، أو كشفه، أو تحليله، ولعل أشهرهم جان فرنسوا شامبليون الذي فك رموز اللغة الهيروغليفية وفتح الأبواب وسيعة أمام دراسة تاريخ مصر.
ارتبط الاستشراق في ذاكرتنا بالاستعمار والجاسوسية والأغراض السياسية، ولذا، رفضنا - مثل سعيد - النظر إلى القيمة العلمية فيه، وتجاهلنا أن علماء الغرب انصرفوا أكثر من علمائنا إلى تحقيق التراث وشرحه ودراسته، ونجحوا في حماية الكثير منه من الضياع، بسبب قدراتهم المادية والعلمية والمنهجية.
قبل أيام، اختتم «معرض الكتاب» السنوي في باريس، الذي كان أكبر أجنحته العربية، جناح المغرب: ملوكياً. وطبعاً كان هناك حضور للدول العربية الفرنكفونية، وبحثت عن نتاج المستشرقين الجدد، فوجدته ضئيلاً. بالنسبة إليّ، الأهم في المعرض هو ما غاب، وليس ما حضر: أعمال مستشرقين مثل لويس ماسينيون وجاك بيرك وشارل بيلا وسواهم ممن نقلوا الحضارة العربية إلى الناطقين بالفرنسية في كل مكان. وربما صرف شارل بيلا في دراسة وتعريب وتدريس الجاحظ أكثر من أي اختصاصي عربي. وساعد جيلاً كاملاً من حملة الدكتوراه العرب من السوربون، في مسعاهم العلمي، وحقق - أجمل تحقيق - كتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر» للمسعودي. ووضع دراسات مرجعية عن «النثر العربي في بغداد»، والأدب العربي في الأندلس، والأدب العربي وقضايا الأدب المقارن.
عندما كانت «منشورات الجامعة اللبنانية» لا تزال تضاهي المطبوعات في الجامعات العالمية، جمعت معظم أعمال شارل بيلا في مجلدات موحدة. ولست أدري كيف تسنى لرجل واحد، عاش حياة واحدة (1914 – 1992) أن يأتي كل هذه الأعمال، وأن تكون مساهماته في درس الحضارة الإسلامية بهذا الحجم. وإذا لم أكن مخطئاً، أو مقصراً، فإنه كان أكثر المستشرقين الفرنسيين غزارة.
ماذا يدرس المستشرقون الفرنسيون اليوم؟ الإرهاب! المرشح إيمانويل ماكرون اختار مستشاراً له المستشرق جيل كبيل، أشهر خبراء فرنسا في شؤون الإرهاب.

* نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.