أنقذوا مؤسسة الزواج من عبث هؤلاء

حسناء القنيعير
حسناء القنيعير
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

لا أظن أن أمة تشغلها فكرة تعدد الزوجات لدرجة التفنن في اختراع صيغ متعددة له، كما تشغل بعضاً من فئات مجتمعنا بذرائع وصور شتى، فبعد أن شهدنا منذ سنوات خلت عبثاً لم يسبق له مثيل من قبل بعض الموتورين، بما عرف بزواج المسيار والمصياف والمتعة والصداقة، وغير ذلك من صور الاجتراء على مؤسسة الزواج، ظهر علينا نفرٌ بأمر شبيه، لكنهم سعوا إلى تقنينه تحت مظلة سميت جمعية تعدد الزوجات، وأخرى أكاديمية دعم تعدد الزوجات، ناهيكم عن ذلك الشعار الصادم الذي أطلقته إحداهن وهو: (زوجة واحدة لا تكفي)! في ظني أن أولئك ليسوا إلا سماسرة متعة لا أكثر، وإن تستروا بستار معالجة عنوسة الفتيات التي باتت كقميص عثمان، أو حماية الرجال من ممارسات محرمة، وكأن الله لم يخلق الرجال إلا لإشباع غرائز، ضلت طريقها إلى الانضباط. وتبعاً لهذا التصور، فإن الرجل إمّا أن يعدد، وإلا فإنه حتما سينحرف!

لقد توسع هؤلاء وأضرابهم في الحثّ على التعدد، واستغلوه أيّما استغلال، حتى جعلوه فريضة، في حين أن الله سبحانه وتعالى أباحه لأسباب خاصة، ولم يجعل الإباحة على إطلاقها، كما قيده بالعدل، وجعل الزوجة واحدة عند عدم القدرة على العدل، ثم أخبر أنهم لن يعدلوا بين النساء ولو حرصوا. فما بال هؤلاء ينتهكون كيان الأسر بهذه الدعوات التي لا تجلب للأسر في معظم الحالات سوى التفكك والتشرذم، والظلم الذي يلحق بالزوجة الأولى وأبنائها، لأن القاعدة عند دعاة التعدد هي ألا يراعي الرجل مشاعر زوجته الأولى وأبنائها، وألا يحسب لهم حسابًا متى أراد أن يتزوج ثانية أو أكثر، دونما حاجة دافعة لهذا الزواج. ولو قيل لهم هل ترضى بأن يعدد زوج ابنتك، لرفضوا ذلك، كما فعلت صاحبة شعار زوجة واحدة لا تكفي، عندما سألتها مقدمة برنامج (اتجاهات): هل تقبلين أن يعدد زوجك؟ فرفضت التعدد لنفسها، لكنها دعت إليه لغيرها.

إنّ أيّ امرأة سوية، وأؤكد على كلمة سوية، لن ترضى إطلاقاً أن تنتزع رجلًا من أسرته لتبني سعادتها -إن كان ثمة سعادة تحت ظل رجل معدد- على شقاء أسرة مستقرة، زوجة وأبناء. بل لا أظن أن فتاة طبيعية ترضى أن تتزوج كهلًا في عمر أبيها أو جدها، مهما قدم لها من مغريات مادية! فليس هناك ما هو أكثر تهديدًا لبنيان الأسرة، وزعزعة كيانها، من تعدد الزوجات بدافع غزيزي شبقي، من كهل يجب أن يكون أكثر حرصًا على كيان أسرته، وحماية أبنائه وبناته مما قد يعتري نفسياتهم وسلوكهم، من أي ختلال أو انحراف نتيجة بعده عنهم، وانشغاله بزوجته الجديدة، ولاحقاً بأبنائه منها.

إن الدعوة إلى هذا النوع من الزيجات تناقض المفهوم الحقيقي للزواج الذي ليس له إلا صورة واحدة في القرآن الكريم، قوامها أطر ثلاثة: سكن ومودة ورحمة (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة)! وبتأمل ما جاء في هذه الآية من كون الزواج طريقاً إلى الطمأنينة النفسية لكلا الزوجين، وسبيلاً إلى المودة والرحمة بينهما، فأين هي المودة والرحمة في مثل هذا النوع من الزواج القائم على التعدد بالتنقل من امرأة إلى أخرى كما في شعار (زوجة واحدة لا تكفي) الذي عجزت صاحبته في برنامج (اتجاهات) عن سوق مبررات مقنعة لشعارها، فبدت مثيرة للشفقة من الحرج الذي أوقعت نفسها فيه، أمّا صاحبة أكاديمية (ثلاث في واحد) أي (ثلاث زوجات في شهر واحد)، فلا تقل عن صويحبتها جهلًا -على الرغم من كونها أكاديمية- وانتهاكًا لكرامة بنات جنسها، وتغريرَ شباب في مقتبل العمر بتزيين شهوة الزواج بثلاث في شهر واحد (مطلقة وأرملة وفتاة) تأملوا التدرج (يا للسفه)! ألم تسأل نفسها قبل أن تتورط في الإعلان عن مشروعها السقيم، كيف يجمع شاب عازب بين ثلاث زوجات، لهن مطالب وحقوق وحاجات نفسية، وهل يستطيع أن يؤسس زواجًا قوامه سكن نفسي ومودة ورحمة؟ وكيف سينفق على ثلاث زوجات شاب في مقتبل العمر؟ وهل تخيلت كم عدد الأطفال الذين سينجبهم هذا الشاب من زيجات ثلاث على مدى ثلاث سنوات على سبيل المثال؟ حتماً لن يقل العدد عن ثمانية أو سبعة أطفال، في ظل ما نشهده في مجتمعنا من تهافت على كثرة الإنجاب، أما إذا سار هذا الزواج على النحو الذي تأمله صاحبة الفكرة فلن يحين وقت مكافأته بالزوجة الرابعة بعد عشر سنين إلا وقد بلغ عدد أبنائه خمسة عشر طفلاً على أقل تقدير! فأيّ استهتار هذا؟ وأي قنابل موقوتة تعِدُها للوطن، ستؤدي حتما (إن نجح مشروعها، أو تبنى آخرون مثله) إلى انفجار سكاني؟ بل أيّ عبث هذا الذي لم يتصدَ له -للأسف الشديد- أحد ممن يعنيهم أمن الوطن والمجتمع، والأسرة والمرأة على وجه الخصوص؟ فمن أمن العقوبة أساء التصرف، وانتهك كل القيم والمواثيق الوطنية والأسس المجتمعية. ولهذا فمما يثير العجب طلبهم ترخيصًا للجمعية من وزارة العمل، أما الأكاديمية (تأملوا ضخامة الاسم) فلا ندري تحت أي مظلة ستنشأ؟ لشد ما يبعث هذا الأمر على التقزز!

كيف بلغت الجرأة بأولئك للعبث في مؤسسة الزواج على هذا النحو الفجّ، تارة بعرض المرأة على مذبح شهوات رجل شبق، كلما تزوج واحدة طلقها، ليتزوج أخرى، لأنهم زينوا له فكرة (زوجة واحدة لا تكفي)، وتارة أخرى بتحريض المرأة على زعزعة أركان حياتها الزوجية بإقناعها بالموافقة على ممارسة زوجها للتعدد دونما حاجة، إشباعاً لنزواته، كما تدعو إلى ذلك جمعية تعدد الزوجات، أو تخريب حياة شاب كل أمانيه أن يتزوج واحدة ليقيم وإياها أسرة تتمتع بكل مواصفات الأسرة السليمة، فيفاجأ بواحدة تحرضه على الانخراط في زواج يتعامل مع المرأة بمنطق الأسواق التجارية في مواسم التخفيضات (اشترِ واحدة والثانية مجاناً)، (تزوج ثلاث في شهر والرابعة ستعطى لك مجاناً بعد عشر سنوات)! وكأن المرأة شيء من الأشياء القابلة للبيع والشراء والمنح والإعطاء! ثم من هو الشاب الذي قد يقبل عرضاً كهذا، سوى شاب عابث ستروقه اللعبة فلا يرى بأساً من الانخراط فيها؟ وماذا عن الفتيات اللاتي سيقبلن أن تستخدمهن أدواتٍ في مشروعها العبثي؟ أجزم أنه لن يقبل على تلك الأكاديمية من الرجال والنساء على السواء، إلا المتردية والنطيحة وما أكل السبع. ثم من الذين سيشاركونها مشروعها في الأكاديمية التي تقول إنها "ستكون على غرار ستار أكاديمي وسیكون فيها نخبة من الاستشاريین المتخصصین"؟ لم يبق سوى أن تقول سيمكث الشباب والبنات في تلك الأكاديمية على غرار ما يحدث في ستار أكاديمي، ليختار الشباب ثلاثاً منهن!

إن علاقة الزواج من أسمى العلاقات بين البشر، وقد عدّها القرآن الكريم (ميثاقاً غليظاً) تعبيراً عن رفعة شأنها وعلو منزلتها، لكونها تقوم على الامتزاج والتكامل بين الزوجين فى وحدة يرتضيانها، ويستهدفان صون مقوماتها ورعاية حدودها، بعيداً عمّا يعكّر صفوها ويعرقل جريان روافدها.

ختاماً لقد أصبحت بلادنا مؤخرًا مصدرًا لبعض الأفكار الغريبة والشاذة، يأتي على رأسها تسليع المرأة على هذا النحو البغيض، ممن يهوون الشهرة ولفت الأنظار بطروحات غريبة وعجيبة، أجزم أنهم يعانون من إشكالات على نحو ما في مستوى الأسرة والحياة الزوجية، مما يستدعي حقاً عرض أصحابها على أطباء نفسيين، كذلك عرض أفكارهم على علماء اجتماع ورجال أمن، لأنها بلغت حداً لم يعد الصمت عليه مبررًا، نظرًا لما تسببه من إساءة لمجتمعنا وبلادنا، خصوصًا أن بعض أصحابها يحملون درجات علمية عالية، لهذا لا نملك ونحن تحت وطأة العجب إلا أن نتساءل: ماذا أبقيتم (للخطابات)؟

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.