ذريعة الاستذكار

سمير عطا الله
سمير عطا الله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

يهبِّ العالم إلى مساعدة البندقية، كلما قيل إنها مهددة بالغرق. يهب العالم إلى الاحتجاج كلما اعتبرت طالبان أن تماثيل بوذا كفر، لا فن ولا نحت ولا جمال. يهب العالم إلى استنكار ما يحدث لتدمر، مع أنه يغفو كل ليلة على اخبار سوريا ودمائها وشرائدها وتمزيق الشرق.
على رغم غباوة هذا العالم وتوحشه الأبدي، اكتشف ان الروابط الثقافية والحضارية، وحدها، تستحق الدفاع عنها. هي تبقى بعد أن يدمر السياسيون معاني الأرض والروح والحياة. لا تستطيع ايطاليا أن تدافع عن كاليغولا ونيرون وأغريبا، ولكن لا يبقى لها ما تدافع عنه إذا خسرت دانتي ومايكل انجلو وغاليليو.
كلما تقدمت الأمم في الحضارة، حرصت على حفظ معالمها. الفرنكوفونية، وجه من وجوه حماية الإرث الفرنسي، منقّّى من مرارات تاريخه. وقد وجدت في لبنان، أولاً، ومن ثم في اللبنانيين، قريناً حضارياً لم تجده في افريقيا، في ما عدا مصر الافريقية، أو المتوسطية. لكن المصريين لم يعطوا فرنسا "قلوبهم"، كما اعطاها لبنان. ففي مصر، تكاثرت الموجات الغربية، من يونانية وايطالية الى انكليزية، بينما ظل النهج الفرنسي شبه متفرد في لبنان: جمال باشا السفّاح يخاطب وجهاء بيروت بالفرنسية التي كان يجيدها مثلهم. وبريطانيا ترسل إليها ادوارد سبيرس مفوضاً سامياً، يحيك سياساته في المدينة، باناقة فرنسية مضرب المثل.
لم يكن الفرنكوفونيون، بالضرورة، فرنسيي الهوى. كانوا جزءاً من "الصالون" الفرنسي، الذي هو بطبيعته متعدد، كثير التمردات والتغيرات، وحاد التيارات. الثقافة وحدها تبقى. الأسابيع الاخيرة شهدت أحداثاً شتّى تحت ظل واحد: السفير الفرنسي يقلد سمير فرنجية في "قصر الصنوبر" أعلى الاوسمة. هل كان مهماً حقاً أن المقلَّد هو نجل "بطل الجلاء" حميد فرنجية، أحد رموز المواجهة مع الانتداب؟ هل كان مهماً أن سمير فرنجية، الكاتب بالفرنسية، كان في اليسار؟ في الثقافة لا معنى للأبواب المغلقة، أو الصغيرة. أهم شعراء فرنسا القرن الماضي، كان لويس أراغون، ولم يكن شيوعياً لائقاً، بل كان، وظل، ستالينياً هو، واليزا، وعينا اليزا. مقابله، كان الفاشي فردينان سيلين. مقابلهما كان الفوضوي "الماوي" سارتر. مقابل الجميع، كان "الرجل الأول"، أمه، شبه خرساء، خادمة في المستشفيات والمنازل. البير كامو. جميعهم كان اسمهم "الفرنسية". وهذه لها خاصيتها. لم تعط العالم شكسبير أو دانتي أو سرفانتس أو هوميروس، لكنها اعطته مجموعة كبرى من الكبار: راسين وكورناي وهيغو وفاليري وديكارت وبروست. ما من احد منهم "كَوني" مثل شكسبير أو دانتي، لكنهم مجموعة خارقة من الفلسفة والشعر، وخصوصاً، القضايا.
الأوسمة التي وزعتها الفرنكوفونية في لبنان أخيراً، هي اوسمة قضايا، لها أصحاب ورعاة. لا اعتقد ان دولة اخرى سوف تفكر في تكريم ميرنا البستاني لدورها في رعاية الموسيقى الكلاسيكية. ربما كانت المانيا والنمسا وايطاليا، أحق بادعاء ابوّة الموسيقى الكلاسيكية. فأيضاً ليس في فرنسا بيتهوفن، أو سيباستيان باخ أو فيردي. ولكن ليس في الدول الثلاث من يعنيه أن في دولة صغيرة مثل لبنان، في فندق صغير مثل "البستان"، في مجتمع كلاسيكي متضائل، ثمة سيدة تُعنى بحماية الجمال من الانجراف والانقراض. هنا يظهر دور فرنسا.
هل كان غسان تويني فرنكوفونياً كي تتذكر فرنسا تكريمه في دولة اكتفت بمنح نعشه وسام الاستحقاق؟ لا أعرف ماذا كان غسان تويني على وجه الضبط. كل ما كانه، كانه، كانه وحده. لبناني أول. وانغلوفوني أول. وفرانكوفوني بلا منازعين. وعربي غساني يفاخر بأنه من تلك القبيلة التي هاجرت من اليمن بعد انفجار جسر مأرب إلى ناحية مائية قرب دمشق، تسمى غسان (1). التقى جان لاكوتور (2) في بيروت صاحب "الاوريان" جورج نقاش: "كان جورج نقاش أول من حدثني عن هذا النائب الشاب: نحن نرى فيه، هنا في لبنان، أفضل عقل في الشرق الاوسط". كان نقاش يعتقد أن تويني سوف يكون صورة لبنان المقبل. يا له من عقل واتزان. ومن جورج شحادة إلى غسان تويني، كانت لي صداقات كثيرة في لبنان. يا لها من دوحة".
كان اللبنانيون منبهرين بفرنسا، على طريقتهم. والفرنسيون مأخوذين باللبنانيين، على طريقتهم. الاسبوع المقبل يقلد فرنسوا هولاند في الاليزيه، رئيس "فرانس 24" مارك الياس صيقلي وساماً. ليس رئيس جناحها العربي وحده، بل الفرنسي والاسباني، الذي سيتوجه الى القارة اللاتينية برمّتها.
فيما تبدو الاسماء العربية الأخرى نادرة في الحياة الفرنسية، تبدو الاسماء اللبنانية ذِكراً مألوفاً. وما كان في الماضي وقفاً على الموارنة وعلاقتهم الخاصة بباريس، لم يعد كذلك. كلما ذهب وليد جنبلاط إلى باريس، استقبله فرنسوا هولاند في الاليزيه، تحت مظلة عضوية "الاشتراكية الدولية". ولكن مثل وليد جنبلاط في السياسة، مثل فرنسوا غصن في الصناعة الدولية، مثل غسان سلامة في العلوم السياسية، مثل امين معلوف في هيكل الاكاديمية، يبدو لبنان، في علم النسبة، الشريك الفرنكوفوني الاكبر في ألق الحضارة المشتركة.
ولا تزال هناك حقيقة أخرى، هي أنه في جميع الغرب، لا يزال اللبناني يعني في فرنسا أكثر مما يعني في اي بلد آخر. والسبب الأهم دائماً، هو العنصر الثقافي، أو الحضاري. ولم يبق من فرنسا السياسية عندنا ما يذكر، في أي حال. لا الدستور ولا المؤسسات، ولا المستوى التعليمي، ولا الصلة الفنية، التي تدهورت مستوياتها على الجانبين.
ولا ينسى المستوى القانوني، حيث كانت المؤلفات أيضاً بالفرنسية، من ادمون رباط الى بشارة منسى، في ما عدا، طبعاً، عمدة العمداء، حسن الرفاعي.
لم يبق من الفرنكوفونية في لبنان، سوى الحنين. إذا كنت تريد أن تكون ميشال شيحا اليوم، يجب أن تلتزم قانون الأولوية. اللغة الأم ليست الفرنسية، ولا الأم فرنسا. لكن اللغة المضافة، كانت اضافياتها راقية وجمالية أيضاً: شارل حلو، وشارل قرم، وجورج نقاش. وفي بعض المستويات لم تكن الفرنسية لغة راسين، بل لغة ديكارت والعقل والمنطق. هذا ما جمع بين العسكري فؤاد شهاب والصحافي جورج نقاش، في رؤيتهما الى مستقبل ينجرف سريعاً إلى الغلو والأساطير.
ما بين لبنانيات ورومانسيات شارل قرم وسعيد عقل، نزع التلامذة الآخرون، إلى الديكارتيّة، ممثلة بعقل استثنائي يدعى ميشال شيحا. في الاربعينات، كان شيحا ينظر كل يوم إلى واقع لبنان ضمن واقع المنطقة والعالم. لغة لا يفهمها كثيرون، ويتعقد البعض من رونقها الفكري العالي، لكنها تبقى للتاريخ.
ربما كان ميشال شيحا أكبر من مرحلته، وأكبر بكثير من النفوس والصدور الضيقة، لكنه سوف يبقى أكبر مرجع للندم. وحائط المبكى، ليس عندنا فقط، بل حتى في فلسطين، وربما في المنطقة، التي تتساقط أمامنا منذ أن سلمنا كل شيء إلى الديماغوجية والعنف والتردي.
لا تبقى أمم، ولا دول، من دون مثل. جميع الذين كتبوا في شؤوننا بالفرنسية، التزموا شروط مفاهيمها، في الحرية والمساواة والقانون. هذا لا يعني أن الذين كتبوا بالعربية، كانوا أقل هماً، أو ثقافة، أو نموذجية. كان غسان تويني، الذي أراد الفرنكوفونيون احتكاره في "الاونيسكو" الاسبوع الماضي، ليبرالياً ديموقراطياً عندما يكتب، أو يخطب، بالعربية والفرنسية والانكليزية.
لكن مشكلتنا أننا خلطنا الوطنية باللغة. أشهر مثال مضاد كان البير كامو، الفرنسي المولود في الجزائر، والذي سخر لغته للإنسان. ومعركة الإنسان كانت يومها في الجزائر، لأنها معركة الحرية والأرض ورفض الذل. لا يموت الإنسان في سبيل لغته، لكنه يموت من أجل أرضه. وقد تحولت اللغة إلى اداة تواصل قومي، لكنها فشلت في أن تصبح اداة استعمار: الاميركيون الذين حاربوا بريطانيا هم بريطانيون سابقون. والهند التي تجيد الكتابة والتحدث بالانكليزية، استخدمتها لمحاربة السلطة الاستعمارية، وهي تستخدمها اليوم في الانتقال الى عالم تكنولوجي، لا علاقة له بعالمنا.
حيرة الادباء والمفكرين تحيّرهم وتحيّرنا. بدأ فيكتور هيغو معادياً لاستعمار الجزائر، ثم مؤيداً له. ديغول بدأ مؤيداً، وانتهى مقتنعاَ، ومقنعاً، بأن ما تعنيه الحرية لفرنسا يجب أن تعنيه للجزائر. الفكر الاستعماري لا يقع فقط في الخطأ، بل في الظلم أيضاً. وجد المستعمرون في فقدان الالزاس واللورين تعويضاً في الجزائر. وعبثاً تمادت وتمددت فكرة "الجزائر الفرنسية" فقد عادت في النهاية إلى جذورها. بَنَت باريس الجامعات والمستشفيات في الجزائر، وكأنها تبنيها في ليون، أو مونبلييه. يقول جان لاكوتور، مجرد مقاطعة، أو محافظة. لذلك لم تبق، فيما بقيت، في رأيي، الثقافة الفرنسية حيَة في لبنان ومصر، وإلى حد كبير في المغرب، الذي حاز جائزة غونكور مرتين حتى الآن.
مجرد ذريعة، الفرنكوفونية، تذكرنا بذلك العصر: جورج شحادة وميشال شيحا وغسان تويني وجورج نقاش. وهو عصر الرجال، وليس اللغة.


*نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط