.
.
.
.

الدبلوماسية الأميركية... بين البيت الأبيض والخارجية

كريم عبديان بني سعيد

نشر في: آخر تحديث:

بعيد الاحتفال برحيل أوباما من البيت الأبيض ذهبت إلى الخارجية الأميركية لكي ألمس بنفسي التغييرات السياسية التي طرأت على السياسة الخارجية لواشنطن تحت إدارة ترمب، خاصة أنني على يقين أن سياسة أوباما ووزير خارجيته كيري جلبت الكوارث للشرق الأوسط، وأسوأها تلك التي أصابت الأرض السورية فنجم عنها نصف مليون قتيل وملايين الجرحى والمشردين، كما أدت إلى تعبيد الطريق لتوسع ونفوذ إيرانيين غير مسبوقين في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما أن علاقات إدارة أوباما باللوبي الإيراني في واشنطن كانت حميمة للغاية مما توجت بإبرام اتفاقية نووية لصالح طهران التي تلقت بموجبها مليارات الدولارات، وسمح للملالي ببيع أكثر من 4 ملايين برميل نفط يوميا ليقوموا بتمويل ميليشياتهم الطائفية في العراق وسوريا واليمن ولبنان بشكل أفضل وأصبحت كل من إيران وروسيا سماسرة السلطة في المنطقة.

من قبيل الصدفة، دعيت مؤخرا إلى الخارجية لمناقشة قضايا المصالح المتبادلة مع دبلوماسيين أميركيين معنيين بشؤون إيران والشرق الأوسط. وكانت هذه زيارتي الأولي بعد انتخاب دونالد ترمب إلا أن هذه الزيارة أثارت استغرابي وكانت تختلف بشكل كبير عن آخر زيارتي للخارجية الأميركية العام المنصرم خلال رئاسة أوباما.

لقد تعاملت مع الخارجية لعقود وذلك من خلال عملي في البنتاغون حيث كنت لسنوات أتقاسم أنا كمستشار علمي مع المستشار السياسي للقائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا مكتب القيادة حيث لكل قائد أعلى من الجنرالات مستشار سياسي تعينه وزارة الخارجية، أما المستشار العلمي فيتم تعيينه من قبل وزارة الدفاع.

ولكن رغم تقاعدي ما زلت أتواصل مع الخارجية الأميركية بصفتي مديرا تنفيذيا لمنظمة غير حكومية وناشطا في مجال حقوق الإنسان، وعلاقتي جيدة جدا بالدبلوماسيين في هذه الوزارة الذين هم أساسا مهنيون وغير حزبيين.

أما عودة إلى أسباب استغرابي فإنني وجدت هدوءاً ممزوجاً بتريث يسود هؤلاء الدبلوماسيين المهنيين حيث مناصب أساسية في الخارجية لا تزال فارغة ولا يعرفون من الذي سيحتل هذه المناصب!

ريكس تيلرسون وزير الخارجية الذي تولى في 2 فبراير مهامه هو في واقع الأمر رجل أعمال ورئيس تنفيذي سابق لشركة إكسون موبيل ولم يعمل في أي منصب حكومي من قبل، ورغم ذلك أنا معجب بحكمته الرائعة في إدارة إكسون. إلا أن تيلرسون ليس في عجالة من أمره لملء المناصب الشاغرة في وزارة الخارجية، هل يريد تحويل مهام هذه المناصب الدبلوماسية إلى البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي؟ الإشاعات التي تتردد في جميع دوائر الخارجية تقول إن تيلرسون قد لا يخطط لملء المناصب الشاغرة، حيث ليس لديه لحد الآن نواب ولا معاونون، وكان رشح إليوت إبرامز نائبا له ولكن رفضه ترمب وهو لا يزال يبحث عمن ينوب عنه في إدارة الوزارة.

وعادة موظفو البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي معينون سياسيا فيأتون مع كل إدارة جديدة ويذهبون معها، بينما العاملون في السلك الدبلوماسي في الخارجية هم موظفون مهنيون وخبراء في شؤون دول العالم وتواريخها ومتخصصون في المناطق الموكلة إليهم، وذلك بغض النظر عن الحزب الحاكم في الولايات المتحدة الأميركية، لهذا السبب لا يرغبون أن يشاهدوا البيت الأبيض ينافسهم في مهامهم التخصصية كما كان الوضع في فترة إدارة أوباما.

التخوف الآخر الذي يلوح في الأفق هو تحويل المناصب الشاغرة في وزارة الخارجية على شاكلة وزارة الدفاع إلى القطاع الخاص مثل مراكز التفكير والشركات الاستشارية التي تقوم بتقديم الاقتراحات والنصائح والمشورة للحكومة في مختلف المجالات السياسية، وتوفر الخبرة للعديد من الوزارات من هذه المؤسسات يمكن الإشارة إلى "هريتج فانديشن" و"مك كينزي".

في مثل هذه الحالة سيكون الوضع كارثيا في قراءة شؤون مختلف البلدان، خاصة تلك التي ليس للولايات المتحدة الأميركية سفارة على أراضيها مثل إيران. ومن المتوقع أن تقوم هذه الشركات الخاصة بإعادة إنتاج تقارير سابقة حصلت عليها من مصادر عامة ومفتوحة ومن الإعلام.

هنا يتساءل البعض عن فاعلية الأسلوب الذي يتبعه تيلرسون في إدارة وزارة الخارجية کكيان تجاري، الأمر الذي أثار حيرة متزايدة بين المسؤولين الأجانب الذين يحاولون فهم موقف الولايات المتحدة الأميركية من القضايا الرئيسية في العالم.

يذكر أن إدارة ترمب رفعت ميزانية وزارة الدفاع بـ54 مليار دولار، ولأجل تحقيق هذه الغاية خفضت ميزانيات 18 وزارة ووكالة، وكان لوزارة الخارجية حصة الأسد من هذا التخفيض وذلك بنسبة 30 بالمائة.

إن البعض يبرر هذا الإجراء ويراه متوافقا مع سياسة التصعيد العسكري الراهن الذي يهدف إلى تخفيف الأزمات في المستقبل من خلال إرغام أطراف الصراعات في العالم على الجلوس على طاولة المفاوضات بغية تسوية النزاعات، والمفارقة أن كلاً من وزير الدفاع جيمس ماتيس والجنرال ماكماستر مدير مجلس الأمن القومي يعتبران من مؤيدي استخدام القوة الناعمة!

وخلافا لدبلوماسيي وزارة الخارجية، يعتقد العاملون في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي أنه عندما تصبح الولايات المتحدة غير نشطة بشكل متواصل للحفاظ على النظام العالمي والاستقرار الدولي، عندها سيصبح العالم أكثر خطورة وفوضوية.

وقد بث أسلوب الإدارة عن بعد الذي يمارسه تيلرسون روح عدم الثقة بين الموظفين المهنيين في الخارجية الأميركية، حيث لم يتعود على التعاطي مع البيروقراطية واسعة النطاق في وزارة الخارجية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أمر الوزير باستخدام طائرة صغيرة، وبات عدد مرافقيه نصف العدد الذي يرافق من سبقه من الوزراء.

أنا لا اوافق على التخوف غير المبرر من أن هذه السياسة ستؤدي إلى تصدع المؤسسات الديمقراطية الأميركية، لأن الضوابط والتوازنات هي التي تحكم مؤسسات الدولة، وأن السلطة القضائية الأميركية قوية ومستقلة، وذلك بفضل النظام اللامركزي الفدرالي، حيث الولايات تتمتع بحكومات مستقلة داخليا، ويمارس كل من مجلس الشيوخ والكونغرس المراقبة التامة في البلاد، والأهم من ذلك كله السلطة الرابعة التي تتصرف كطرف معارض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.