الكائن المتوحش الذي يأكل البشر
عزيزتي يارا، ليست الصحافة أعظم مهنة فعلاً، وقد تكون الأسوأ.
عزيزي ممدوح، الصحافة مهنة عظيمة حقاً، وقد تكون الأعظم.
نعم، في وقت واحد، قد تكون الأسوأ وقد تكون الأعظم، هذا قَدَر كثير من الأشياء الخاضعة لأكثر من قانون يحدد طبيعتها. أرأيتم كيف يولد المفاعل النووي كهرباء، هي والهواء على القدر نفسه من الأهمية بحياتنا؟ وكيف ينتزع المفاعل نفسه منا الحياة بأكملها حين يصبح قنبلة؟ (إذا سمعت هذا المثال خمسين مرة من قبل، فالمعذرة.. لست بارعاً في التمثيل).
إن الصحافة أعظم مهنة، ولا شك، حين يكون الطاغية متأكداً أن جريمته التي يرتكبها في العتمة سيفضحها فلاش الكاميرا. صحيح أن جرائم كثيرة تمر كأنها لم تكن، لكن الإنصاف يقتضي – في هذه الحالة – أن نتهم "من يهمه الأمر" بالجبن، أو بالتواطؤ، وفي أحسن الأحوال، بقلة الحيلة.
وأسوأ مهنة حينما يتحرك الصحافي بشهوة "عدد القراء"، التي تكاد تصبح غريزة في كل صحافي. ما أكثر ما اتهمت الصحافة ناساً عاديين بالإرهاب، ولكن تثبت براءتهم في أقرب مخفر شرطة. لا، بل يظل الصحافيون يبحثون عن صورة واضحة لمن يسمونه "منفذ الهجوم". مسكين من يقع تحت سكين الصحافيين.
أعظم مهنة هي التي تنقل لك، عزيزي القارئ، الحدث كما هو، لا زيادة ولا نقصان. وأسوأ مهنة تلك التي تجتزئ القصة وتخرجها من سياقها، بحيث ينصرف ذهنك إلى ما لا يجب أن ينصرف إليه.
أحلى مهنة.. حين تقدم الصحافة للقارئ معلومة طبية قد تنقذ حياته، أو حين تنبهه إلى أمور مهمة ربما غفل عنها، وأبشع مهنة تلك التي تستخف بالقارئ وتفرش أمامه فضائح خالصة، ليس من ورائها فائدة إلا "عدد القراء".
أعظم مهنة هي التي تجعل المسؤول مضطراً إلى التعامل مع المواطن بأدب، وإلا ستقوم قيامته على تويتر ويُعفى من منصبه، وهي مهنة رديئة حينما تكون بوقاً للمسؤول تسبح بحمده وتتجنب المس به لأنه "مسؤول"؛ بل إنها الأسوأ حينما تتجرأ على محاسبة المسؤول بعد أن يترك منصبه. هلا تجرأ الصحافي على ذلك، والمسؤول على كرسيّه؟ (من أبجديات المروءة).
سمعت محمود درويش يصف الإعلام بأنه "كائن متوحش وجشع يأكل البشر والأخبار.. وكل جريمة تأكل التي قبلها"، اقرأ كلام الرجل حرفياً، واحكم.
أعظم مهنة أن يكون هذا المقال وصلك يا سيدي بعد أن مر على رئيس التحرير، وفيه ما قد قرأت!