.
.
.
.

عندما زارت مارين لوبين مصر

عبد اللطيف المناوي

نشر في: آخر تحديث:

قد لا يذكر كثيرون أن مارى لوبين زارت مصر منذ حوالى عامين، عندما فكرت وقتها فى مدى صحة وجدوى وحكمة أن أرتب هذه الزيارة، تراوح موقفى بين الحماس الشديد لترتيبها والابتعاد عن مصدر محتمل للإزعاج والمشاكل.

وصفتها وقتها بأنها- أى الزيارة- مغامرة يمكن أن تنجح ويمكن أن تنفجر فى وجوه الجميع. وغلبنى وقتها منطق المغامرة، والاقتناع بأهمية فتح الحوار مع الجميع، بمَن فيهم المختلفون اختلافا كليا فى الرؤى معنا. وزادت قناعتى عندما التقيتها فى باريس قبل البدء بتنفيذ الزيارة، ليطمئن قلبى بأننى أتخذ القرار الصحيح.

ما اقتنعت به وقتها أن لعبة المصالح الوطنية والبراجماتية السياسية تفرض إعادة النظر إلى كل المواقف التى نراها حولها، وهو ما يستدعى بالتالى القبول بالجلوس مع شخص ربما نختلف معه سياسياً، لكن يمكن أن نصل معه إلى طريق وسط يحقق المصالح الوطنية، حتى لو كان ذلك على المدى البعيد، وليس بعيداً عن هذا ما يمكن أن نقوله عن أهمية احترام الآخر وقبوله والاستماع إليه، ومحاولة شرح المواقف الصحيحة، ومحاولة رأب الصدع، والوصول إلى مشتركات تسهّل تحقيق مصالح سياسية.

على الرغم من مواقف «لوبين» المتشددة عموماً، فإنه يمكن النظر بإيجابية إلى زيارتها للقاهرة، والتى التقت فيها بعدد من المسؤولين والشخصيات العامة، من بينهم شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، والبابا تواضروس، والمهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء، وقتها، ومسؤولون آخرون، وأيضا عدد من المثقفين والسياسيين.

مارين لوبين وُلدت فى 5 أغسطس 1968، هى ابنة السياسى اليمينى جان مارى لوبين، مؤسس حزب الجبهة الوطنية، رئيسه السابق. مارست مارين لوبين مهنة المحاماة بين 1992 و1998. انتُخبت عضواً فى البرلمان الأوروبى سنة 2004، وأُعيد انتخابها فى سنة 2009، تترأس حزب الجبهة الوطنية منذ 16 يناير 2011. «مارين» ترشحت عن الجبهة الوطنية فى الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2012، وحصلت على نحو 14 فى المائة من الأصوات فى الجولة الأولى، حيث حلت ثالثة خلف الرئيس الحالى الاشتراكى فرانسوا هولاند وغريمه السابق اليمينى نيكولا ساركوزى.

بدت «لوبين» وقتها سعيدة بوجودها كثيرا فى مصر، وحكت لى عن جدتها القبطية، التى عاشت فى الإسكندرية، وكان تقديرها عظيما للإمام الأكبر، شيخ الأزهر، كما كان ذات التقدير للأنبا تواضروس، وتمنت لو أن فى فرنسا رئيس وزراء كالمهندس إبراهيم محلب، بعد أن التقت به.

إذا كان البعض وقتها قد رأى أن هذه الزيارة أتت فى إطار حملة رئاسية مبكرة لـ«مارين لوبين»، فإن الواقع يكشف أنها فى زيارتها إلى مصر كانت منفتحة على الواجهة الأولى للإسلام فى العالم، مُبدية تراجعها عن الصورة، التى طالما رسمها وسوّق لها حزب الجبهة الوطنية على مدار عقود، بتصريحات مستفزة ورؤية غير نافذة للإسلام وأتباعه.

لكننا فى نفس الوقت لا يمكن أن نلوم الغرب وحده على نظرته للإسلام، فصعود مصطلحات مثل الإسلاموفوبيا والتطرف لم يكن الغرب وحده سببا فيه، بل صعود الإسلام الراديكالى، سواء فى أحداث 11 سبتمبر فى أمريكا، أو أحداث لندن وإسبانيا، أو ما تم أخيرا فى فرنسا ذاتها بعد الهجمات الإرهابية المتعددة التى شهدتها.

سياسياً، يمكن قراءة تصريحات مارى لوبين بعد زيارتها لمصر، والتى تكشف تفهمها للموقف المصرى، ودعمها لمصر فى حربها ضد الإرهاب، والتى إن كشفت عن شىء فإنما تكشف عن أنه حتى لو اختلفنا سياسياً مع آخرين، فربما يجب علينا أحياناً أن ننظر ببراجماتية، وأن نُعلى المصلحة السياسية التى هى مصلحة الوطن، وفى هذه الحالة يمكننا أن نقرأ زيارة مارين لوبين بطريقة أخرى.

الجديد هنا أن احتمالات أن تحتل «لوبين» قصر الإليزيه باتت أكثر من أى وقت مضى، وعلى الرغم من أن كل المؤشرات تعطى الفرصة الأكبر لـ«ماكرون»، فإننا يجب أن نتذكر دائماً أن الفرصة الأكبر كانت حتى اللحظة الأخيرة لهيلارى كلينتون فى الانتخابات الأمريكية الأخيرة، التى أتت بـ«ترامب».

*نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.