.
.
.
.

فرنسا والمنعرج الانتخابي

السيد ولد أباه

نشر في: آخر تحديث:

لأول مرة في تاريخ فرنسا السياسي منذ قيام الجمهورية الخامسة (1958) يغيب الحزبان المركزيان اللذان تقاسما الحياة السياسية والسلطة في البلاد عن الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية: حزب اليمين الموروث عن التركة الديغولية والحزب الاشتراكي الذي أسسه الرئيس الأسبق «فرانسوا ميتران». هذه النتيجة التي ليست الدلالة الوحيدة في هذا الاقتراع المثير الذي أقصى من الحقل السياسي أبرز الوجوه الرئيسة فيه، فثمة ملاحظات ثلاث على نتائج الانتخابات الأخيرة تستدعي الوقوف والتحليل:

أولا: لا يبدو أن انهيار الحزبين المركزيين في الساحة السياسية الفرنسية مجرد تحول عرضي، بل له مغزاه العميق على مستوى طبيعة النظام السياسي وشكل الديمقراطية الفرنسية. والمعروف أن الحزبين المذكورين كانا في نشأتيهما حصيلة تأليف تاريخي بين الديناميكيات التي ولدتها اللحظة الديغولية، سواء تعلق الأمر بالحزب الديغولي نفسه الذي تشكل من ائتلاف بين ثلاث مكونات متمايزة من اليمين: التيار المحافظ التقليدي والاتجاه الليبرالي وتيار الوسط، أو بالحزب الاشتراكي الذي جمع بين كتلتين متمايزتين: اليسار الراديكالي والاتجاه الديمقراطي الاشتراكي. ومع أن خروج «ديغول» من المشهد السياسي (عام 1969) واكبه انقسام الائتلاف اليميني إلى حزبين رئيسيين، إلا أن الطرفين حافظا على نمط من التحالف في حقبتي «جسكار دستان» و«جاك شيراك» واندمجا في جبهة واسعة سمحت للرئيس السابق «ساركوزي» بالوصول للسلطة، فيما حافظ الحزب الاشتراكي على تركته الميتراندية رغم غياب زعامة إجماعية حقيقية. ما نشهده راهناً هو انهيار وحدة اليمين الفرنسي التي عكستها تصفيات الترشيح التي حملت ممثل اليمين المحافظ «فرانسوا فيون» إلى الواجهة بينما انحاز عدد كبير من ناخبي «حزب الجمهوريين» إلى المرشح الشاب المستقل «امانويل ماكرون»، كما حصل المشهد بالنسبة للاشتراكيين الذين فشل مرشحهم «بنوا هامون» في استمالة المكون الليبرالي الوسطي في حين استمال «جان ليك مالانشون» أصوات المكون اليساري الراديكالي الذي حوله إلى رقم رئيسي في المعادلة الحالية.

المفكر السياسي الفرنسي «بيار روزنفالون» اعتبر أن ما نشهده راهناً في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية هو الانتقال من ديمقراطية التمثيل إلى ديمقراطية الزعامات، بما يبرز جلياً في انتكاسة الأحزاب العريقة وظهور حركات شعبوية مرتبطة بزعامات فردية أصبحت تتقاسم الجانب الأوفر من الخريطة السياسية: حركة «السير قدماً» (ماكرون) وحركة «فرنسا المتمردة» (مالانشون) وحركة «الجبهة الوطنية» (لوبان). وهكذا لم تعد الأحزاب قادرة على التعبير عن المواقع والمصالح الاجتماعية، ومن ثم استبدالها بموجات انتخابية وحركات احتجاجية ليس من المعروف هل يمكن أن تفضي إلى بناءات سياسية منتظمة ودائمة.

ثانياً: في مقابل ثنائية اليمين واليسار التقليدية التي انتظمت الحقل السياسي منذ قيام الديمقراطية الفرنسية، برزت خطوط تمايز جديدة غير مسبوقة، أحدها يتصل بطبيعة القيم الاجتماعية (بين التيار المحافظ والتيار التحديثي)، وبعضها له علاقة بخياري السيادة والحماية من جهة والعولمة والانفتاح من جهة أخرى، كما أن التمايز بارز بين الكتلة المندمجة المتفائلة والهوامش المحبطة الناقمة التي طحنتها الأزمة الاقتصادية، ولم تستفد من حركيّة الاندماج الأوروبي ومسارات التبادل الحر العالمية. وإذا كان من الصعب الحديث عن صياغات أيديولوجية لهذه التصدعات الجديدة، فإنها ولدت نقاشاً حاداً حول أسس ومقومات النموذج الفرنسي: الجمهورية المركزية (في مقابل التعددية الثقافية)، والعلمانية (مقابل الأصوليات الدينية)، والهوية القومية (إشكالات الهجرة والعولمة).

ثالثاً: إذا كانت الديمقراطية الحزبية دخلت في طور الانهيار مع ما يرتبط بها من معادلة اجتماعية وأيديولوجية، فإن إحدى النتائج الكبرى لهذا التحول تتعلق بتركيبة الحكم ذاتها التي قامت تاريخياً على أساس نظام سياسي هجين بجمع بين النموذج الرئاسي القوي والنموذج البرلماني بما فرض في مراحل عديدة حالة من التعايش في مركز الحكم بين طرفي الساحة السياسية (اليمين واليسار) اللذين جمعهما توافق عام حول محددات كبرى للنظام السياسي: اقتصاد السوق ونظام الحماية الاجتماعية والمشروع الأوروبي. ما نلمسه راهناً مع ترجيح وصول المرشح المستقل «ماكرون» للسلطة هو دخول فرنسا في أحد المشهدين الأوروبيين: الائتلاف الحكومي الواسع (التجربة الألمانية) أو الائتلافات الظرفية الهشة (إيطاليا وإسبانيا)، في الوقت الذي تقلصت حالة التوافق الأصلية على ثوابت النظام السياسي بين القوى الحزبية المشتتة.

عرف عن الرئيس الأسبق ميتران قوله إنه سيكون آخر زعماء فرنسا السياسيين العظماء، وإن كل من سيخلفونه سيكونون موظفين حاكمين في حين أن فرنسا بطبيعتها العميقة لا يحكمها إلا الرئيس الذي له هيبة الإمبراطور وقداسة رجل الدين، ومن هنا هول المنعرج الانتخابي الأخير.

*نقلا عن "الإتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.