.
.
.
.

مسجون من الولادة للموت

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

يطرح المعلقون والمثقفون حلولاً للمشاكل التي نعاني منها. يتحدثون عن أن الركود الاقتصادي هو سبب التخلف، وآخرون يقولون إن الإصلاح السياسي هو طريق الخلاص. فريق ثالث يؤكد أن العودة للماضي ستجنبنا من العذاب وتجلب البركة، ورابع يقول إن الاندفاع للمستقبل التقني هو الحل الوحيد الذي سينقذ مركبنا الذي يغرق شيئاً فشيئاً.

ربما في كل هذه الحلول جزء من الجواب المطلوب عن السؤال الكبير، ولكننا ننسى موضوعاً هاماً ربما يكون هو أكبر من كل ما ذكر سابقاً. الحل في تصوري هو تعميق الحس أو النزعة الإنسانية في عقول وقلوب الناس. من المؤكد أن كل شيء بدونها سيتعرض للفشل والخراب المؤكد.

ماذا نعني بذلك؟

يولد الواحد منا بالهوية الإنسانية الصافية، ولكن هذه الهوية النقية لا تدوم طويلاً. يتم على الفور تلبيسه كل الهويات الدينية والطائفية والعرقية والقومية التي تطمر هذه الهوية الأصل في الأعماق حتى يتلاشى الوعي بها تماماً. ترى نفسك من خلال الدين أو الطائفة، ويضعف بشكل طبيعي الإحساس الأصلي بكونك إنساناً مرتبطاً مع الآخرين بشكل تلقائي.

التطاحن الطائفي الذي نشهده بشكل مستمر يعود بشكل أساسي إلى هذا التصنيف الحاد والعميق من الصغر. الكاره لطائفة أو دين معين هو بالضرورة محشور منذ الصغر بهويته الدينية والطائفية التي أخبرته بيقين مطلق من هم المارقون والكفار، ويتصرف على ضوء ذلك. جففت من داخله كل الينابيع الإنسانية الأولى التي تدفقت داخله، وأصبح ينظر للمرآة ولا يرى أمامه إلا المسلم السني أو الشيعي أو المسيحي في تجاهل فاضح لملامحه الإنسانية التي تشبه جميع خلق الله.

يتم بعد ذلك تلبيسك الهوية العرقية، فيتشكل في ذهنك أنك تنتمي لعرق معين أرقى من الآخرين. المشاكل التي نسمعها عن الفوقية والتعصب الطبقي وإهانة الآخرين، وتفضيل أبناء العائلة والقبيلة في الوظائف والمصالح كلها نابعة من هذه الهوية التي تهمس بشكل مستمر في عقل متلبسها" دماؤك أطهر من الآخرين".

من يؤمن بهرمية الأعراق من الصعب عليه أن يحكم بالعدل، لأنه سيفضل بالتأكيد أصحاب الجينات النبيلة، وسيضطهد أصحاب الجينات الأخرى "الدنيئة". سيأخذ شيئاً ليس من حقه ولكن لا يأبه لذلك. في لاوعيه هو أرقى من الآخرين، لذا يستحق أن يأخذ حقه وحق غيره بدون أن يرمش له جفن. الوظيفة سيحجزها لابنه غير المؤهل لها، لأنه يؤمن أن من حق هذا الابن أن يكون سعيداً على حساب تعاسة أبناء الآخرين. لو رجعنا لقصص الفساد المنتشرة التي نعرفها سنلاحظ أن قسماً كبيراً يعود للمحسوبيات القائمة على تفضيل المقربين.

وهكذا تندحر الهوية الإنسانية الأصلية التي ستجعل الإنسان يرى الآخرين مثله، فلا يعتدي على حقوقهم، ولا يعود يرى فيهم سوى ألوانهم وأسمائهم الأخيرة. نلاحظ ذات الشيء فيما يتعلق بالهويات القومية التي تنزلق بسهولة لتتحول إلى شوفينية مقيتة تتعالى على الآخرين فقط لأن الصدف جعلته ينتمي لوطن آخر له علم ونشيد وطني مختلف. بسبب الشوفينية المقيتة تندلع الحروب المجانية فقط لأن المشاعر القومية المتورمة وخزت. غريب أن الهويات القومية قسمتنا وكأننا قبائل متناحرة على الرغم من أن الهويات القومية هي اختراع جديد.

هويات جديدة برزت في العقود مرتبطة بالوضع الاجتماعي والمادي. الثري لا يرى في نفسه إلا مقدار المال الذي يكسبه ويضع لنفسه الحواجز والقيود التي تجعله لا يجلس مع متواضعي الدخل. يتلاشى تقريباً كل ما يمكن أن يثريه إنسانياً ويجمعه مع الآخرين، وتصبح السيارات الفاخرة ومقاعد الدرجة الأولى هي المعبر الأساسي عن شخصيته وقيمته.

ولكن هل يمكن أن يعيش الإنسان بلا هذه الهويات الفرعية ويكتفي فقط بالهوية الإنسانية؟ بالطبع لا. ولكن إذا أصبحت الهوية الإنسانية هي الأولى والأساسية فإن كل الهويات الأخرى تضيف عليها نكهة مميزة. تثبيت الهوية الإنسانية يعني تثبيت الإيقاع الصحيح لاستقبال كل الأشياء الأخرى. ترى في الهوية الدينية والطائفية البعد الجمالي والطقوس والتقاليد التراثية التي تعمق من هذا الشعور الإنساني وتربطه مع الآخرين. ترى في الخلفية العائلية ليس التفوق أو التعالي، ولكن التاريخ وحياة الآباء والأمهات والأجداد التي تصل إليك وتسلمها لغيرك. القومية تتحول إلى إحساس بالمسؤولية ورغبة بمعرفة التاريخ، ولكن ليس قنبلة نلقيها وقت الغضب على أصحاب القوميات الأخرى.

أضف إلى كل ذلك أن الهوية الإنسانية هي المناسبة لهذا العصر الذي نعيش فيه واختلطت فيه الأعراق والأديان والجنسيات. الانحشار في الهويات القديمة يعني أن المجتمع الواحد سيعيش ممزقاً ومقسماً، وفرص اندلاع النيران قائمة في أي لحظة. ولهذا السبب تحديداً تقدمت شعوب أخرى عندما وضعت هويتها الإنسانية قبل كل الهويات الأخرى، فتراجعت معدلات التعصب والفساد والجهل. الفكرة ليست رومانسية بل شديدة الواقعية، كما نرى عندما نسافر بضع ساعات بالطائرة بشراً يشبهوننا ولكنهم قلموا الهويات العنيفة ورتبوها وغلفوها بالحس الإنساني، فتسهلت بعد ذلك حياتهم.

ولكن ماذا تفعل كل الإصلاحات السياسية والاقتصادية، أو العودة للماضي، أو الانطلاق للأمام إذا كانت الهويات القديمة مثل السجون التي يحبس فيها الفرد من الولادة حتى الموت؟!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.