دروس من أبي عبد الله

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لكل أحد التقى الراحل، تركي السديري، أو أبو عبد الله - كما يناديه الجميع - ذكرى أولى لا تمحى. أذكرُ في الأيام الأولى لعملي معه متعاوناً في صحيفة "الرياض" أنني كنتُ أعمل وحيداً في يوم إجازة، ورأيتُه يسير بخطى سريعة إلى المكتب. ما إن دخل حتى سألني عن اسمي، كي يتأكد من شخصي، ثم أضاف "كتبتَ موضوعاً جميلاً يوم أمس. ستعملُ معنا هنا في الرياض، لا تذهبْ إلى أي مكان". ثم مضى سريعاً بخطوات خفيفة لا تكاد تسمع.

أتذكرُ الآن المقال الذي كتبته. كان ركيكاً وبسيطاً، ولكنه لم يصنفه بناءً على معاييره المهنية العالية. وضعه في سياق عمري وتجربتي القصيرة، ورأى فيه شيئاً قابلاً للتطور. هذه واحدة من أكبر مزايا الراحل. يخرج من عمره ويستبعد تجربته ويزيح معاييره ويهبط عن إدراك ليربِّتَ على كتف مراهق، يظن نفسه صحافياً ويمنحه جرعة من الثقة والأمل.

سألتُ نفسي حينها: ما الذي يجعل صحافياً بشهرته وقيمته يضيع وقته ويتعب نفسه ويوجه لي تلك الكلمات اللطيفة؟ أدركت بعد سنوات أنه كان سؤالاً ساذجاً. إنه يتصرف على طبيعته.. صحافياً كبيراً وإنساناً نبيلاً. ما فعله ليس استثناءً بل قاعدة مرت تقريباً على جميع من عمل معه من صحافيين وكتّاب من أجيال متلاحقة. احتضنهم بروح صحافية وأبوية. تعلموا منه وأنعشوا بدورهم الصحيفة العريقة. بعد فترة صدمتُ بعد أن عرفتُ أن بعض الزملاء الأصغر مني خارج الصحيفة يزورونه في مكتبه بدعوة منه. أحد الأصدقاء الشباب في بداية عمله الصحافي اتصل بي مزهواً: "للتو أنهيت مكالمة طويلة مع أبوعبدالله. أمضينا ساعة كاملة كان يتحدث فيها ويضحك ضحكته الشهيرة ويسخر بصوته الحاد". رددتُ عليه: "هل أنت متأكد أنه رقمه؟!".

ولكنَّ كسرَ الحواجز واختفاءَ الهرمية الصارمة واحدٌ من الدروس التي تلتقطها منه، من دون أن يصرحَ بها مباشرة. الصحافة بيئة مرنة تقتلها القيود والتقاليد العسكرية الصارمة وهكذا كانت بيئة صحيفة الرياض الداخلية التي تشكلت على صورته. مرنة ولكن منضبطة حيوية ولكن حذرة. والأهم أنها خالية من التعقيدات الإدارية والتحريرية المزعجة. كنا نصاب بالعجب إذا سمعنا الأعداد الكبيرة من مديري التحرير في الصحف الأخرى، الذين عليهم أن يبصموا على موضوعك قبل نشره.

من مزاياه الهامة الشخصية الإدارية الخبيرة، التي جعلت الصحيفة من أكثر الصحف انتشاراً وربحية واستقراراً مادياً. جمعت الجريدة بين قوة المادة الصحافية وقوة الإعلان. كسر بحكمة الشعار العاطفي إشكالية أن الصحافيين ورجال المال والإعلان على طرفي نقيض، بل جعل مصالحهم متحالفة. زيادة المداخيل الإعلانية يعني نجاحاً للصحيفة وضماناً لاستقرارها وتطورها وبذات الوقت أرباحاً للتاجر. حسُّ الواقعية لديه في الكتابة السياسية حقنه في طريق إدارته التي تصبر وتحتضن. الخلافات مهما بلغت قوتُها وحِدّتُها يغلفها بروحه الطيبة. كما أنه قادر على خلق روح الانتماء للمهنة وللمكان، لهذا يتشرب من يعمل معه هذا الحسَّ، حتى يصبح خروجه صعباً وشبيهاً بالانتزاع من الجذور. نقل هذه الروح الفريدة إلى الآلاف من قراء الصحيفة المخلصين التي تحولت إلى خبز يومي ساخن لا يكتمل يومهم بدونه.

على المستوى الفكري تعتبر الجريدة قلعة من قلاع التنوير، ولعبت دوراً كبيراً ورائداً في بثّ روح التمدن والاعتدال الفكري. على صفحاتها حملت مقالات في غاية الشجاعة في عزِّ فترة ما تسمى بالصحوة وبتوقيع كبار الكتاب. لهذا السبب شنَّ عليه المتزمتون وعلى الصحيفة هجوماً شرساً لم يزحزحه بوصة واحدة عن مواقفه المضيئة والوطنية. ومع كل ذلك لم يسمح أبداً بأن تتسلسل أجواء الصراع المتوترة داخل الصحيفة، لأنه مؤمن بأن نهجها الفكري الوطني المعتدل هو النهج الطبيعي، وعلى الخصوم أن يتعلموا منها. كنا نسمع من بعيد الأصداء الغاضبة لضجيج المعارضين والمتطرفين بعيداً خارج القلعة، ولم يكن ينقل للكتّاب الاعتراضات المتواصلة التي تنهمر على هاتفه.

يقول ابنه مازن إنه كان يتغلب على المرض في أيامه الأخيرة بتصفح جريدة "الرياض". هكذا يرحل أبو عبدالله محتضناً الصحيفة التي عشقها بكل خلية فيه، وسيترك ذكراه الطيبة في قلوبنا للأبد. رحمه الله.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط