.
.
.
.

هل تحولت تجربة ولاية الفقيه إلى عبءٍ أممي؟

ناصر الحزيمي

نشر في: آخر تحديث:

حينما كان الخميني في فرنسا وعد حوارييه ومريديه بحياة كريمة وعادله، ووعد معجبيه من الغربيين بلبرالية وحريه ليس لها مثيل على وجه الأرض. فحينما كان هناك تحدث عن حقوق الأقليات وحقوق المرأة والظلم الاجتماعي وأضرار أسلحة الدمار الشامل، وكان يجيب على أسئلته نخبة منتقاة، إذ فيهم من يمكنه أن يدغدغ الثقافة الوجودية في فرنسا مثل (أبو الحسن بني صدر) وفيهم من يجيد الحديث عن العدالة الاجتماعية بخلفية اشتراكية إلى غير ذلك. المهم أن الخميني وبمجرد نزوله من سلم الطائرة، وذهابه إلى بيته واجتماعه بحوارييه تراجع عن جميع وعوده، فالخميني الحداثي في فرنسا ليس هو الخميني الظلامي في إيران، وولاية الفقيه التي بشر بها في فرنسا، ليست هي ولاية الفقيه التي مارسها في إيران بعد قيام الجمهورية الإسلامية. ففي فرنسا كان يطرح الخميني ولاية الفقيه كحل لمشكلة الطائفية، والإقليمية، والقومية، وحينما عاد إلى إيران، ووضع الدستور بمباركته، والذي صيغ بنفس طائفي فاشي، قطع أوصال وحدة الدولة، وقلب ثوابتها كأمة. ما أريد قوله بعد أكثر من خمسة وثلاثين سنة من قيام ثورة الخميني أن هذه الثورة قد حولت إيران من دولة فيها جميع مقومات النهوض، والتقدم إلى دولة فيها جميع مقومات الفشل والانحراف. لأن فكر الولي الفقيه يقوم بالدرجة الأولى على الفردانية والهيمنة، أما الدول الناجحة فيقوم فكرها على الشراكات والتكامل على جميع الأصعدة؛ وما نشاهده ونعايشه هذه الأيام

ولاية الفقيه التي بشر بها في فرنسا، ليست هي ولاية الفقيه التي مورست في إيران بعد قيام الجمهورية الإسلامية. ففي فرنسا كان يطرح الخميني ولاية الفقيه كحل لمشكلة الطائفية، والإقليمية، والقومية، وحينما عاد إلى إيران، ووضع الدستور بمباركته، والذي صيغ بنفس طائفي فاشي، قطع أوصال وحدة الدولة، وقلب ثوابتها كأمة..

خير مثال على ذلك، فالسياسة الإيرانية لا تسعى لأن تكون دولة حقيقية تملك القدرة على الفصل بين القناعات الشخصية والذاتية والتي تحكم بها الشعب الإيراني، حتى تحولت إلى مادة مهمة من مواد الدستور؛ الذي أصبح مادةً مقدسة عن الولي الفقيه، ولنأخذ مثلا مادة مرشد الثورة. فهي مادة غير قابلة للتعديل حسب رؤية الدستور، إن من يقرأ الدستور الإيراني، وما لحقه بعد ذلك من تعديلات وقوانين سيكتشف أن الخميني قد تراجع عن جميع وعوده الأممية في العدالة الاجتماعية، وعندنا مثال على ذلك، وهو ما يقوم به فيلق القدس وهو الذراع العسكري الخارجي للحرس الثوري. حيث نجده كلاعب رئيس في بؤر التوتر والعنف، فهو في العراق واليمن ولبنان داعما رئيس للحشد الشعبي في العراق وأنصار الله في اليمن وحزب الله في لبنان، ولم يقف دور فيلق القدس عند الدعم بالسلاح، وإنما تعداه إلى إسكات كل صوت يخالفه في توجهه الراديكالي، إذ أنه قد أسكت الكثير من الأصوات الشيعية ذات التوجه الوطني البحت وكلنا يعرف الاغتيالات المبكرة في العراق لكل صوت حاول أن يرفع شعار الوطنية والقومية والنزاهة؛ كما حدث في اغتيالات كاتم الصوت في بغداد. هذه الاغتيالات هي من طرائق الحرس الثوري التي كانت تستعملها في إيران لتوجيه رسالة إلى مخالفيهم تطلب منهم فيها الصمت. ففيلق القدس له ممارسات راديكالية براجمتية قد تصل لحد تفجير مراقد وحسينيات شيعية ومواكب عزاء في سبيل تأجيج الرأي العام الشيعي ضد المكون السني، وهو ما نجحوا فيه، وكما هو معروف أن هذه الجرائم قد قيدت غالبا ضد أبو مصعب الزرقاوي أو داعش، وأنا لا أستبعد أن هذين الفصيلين الإرهابيين قد قاما بمثل هذه الأفعال، إلا أنني لا أستبعد أيضا أن فيلق القدس له يد في بعضها سواء من حيث تسهيل وصول السلاح لبعض المتطرفين الراديكاليين، أو تسهيل وصول المعلومة لهم أو مباشرة مثل هذه الأعمال الإرهابية فعلا، وما يحدث في العراق من أدوار مرسومة ومؤثرة لفيلق القدس هو نفسه ما يحدث في اليمن. فالإجرام الذي مورس في اليمن يشبه إلى حد كبير ممارسات فيلق القدس في العراق، وكما هو معروف أن الشعب اليمني الشقيق كان مسلحا عن بكرة أبيه، إلا أن هذا التسلح منضبط بأخلاقيات عشائرية وعرفية، ولم نسمع طوال هذه الفترة عن حالات رفع السلاح أو استعماله إلا نادرا، ولكن وبعد دخول الولي الفقيه وفيلق القدس لليمن وجدنا حالات الاغتيالات السياسية، والتي كانت نادرة جدا في اليمن.

إن الحرس الثوري وتابعه فيلق القدس يعتبر الابن المدلل والموثوق به عند مرشد الثورة الإيرانية، وعليه فلا يمكن أن ينفردوا بأي قرار مصيري. فمرشد الثورة وكثير من أتباع بدعة الولي الفقيه يتدينون بتصدير الثورة وقد نصوا على ذلك في دستور الجمهورية الإيرانية، وهي إشكالية كبيرة خلقت قطيعة بينهم، وبين الأمم التي تنشد الاستقرار والبناء. إن الشعب الإيراني شعب ذو مهارات معرفية وتقنية، وهذا معروف منذ القدم، كما أن أرض فارس هي أرض زراعية بامتياز، إلا أن ثورة الخميني حشدت جميع إمكانياتها لصالح تصدير الثورة والعقيدة إلى الخارج. كما أنها حشدت جميع إمكانياتها لقمع جميع الإثنيات في الداخل، فهم يقمعون كل من يخالف توجههم؛ لذلك نجدهم يقمعون عرب الأحواز في الجنوب على الرغم من اتفاقهم معهم في المذهب الجعفري، ويقمعون التركمان في الشمال وهم يتفقون معهم في نفس المذهب، أيضا يقومون بقمع البلوش في الشرق وهم سنة، ويقمعون الأكراد في الشمال وهم جعفرية، ويقمعون الفرس ممن لا ينتمي لولاية الفقيه، هذا هو واقع الرؤية التي أتى بها الخميني، ويكفي أن ننظر في تقرير منظمة العفو الدولية لنعلم إحصائيات من يقتلون في إيران لأسباب مذهبية، أو قومية.

وأنا أظن أن أكبر خديعة تعرضت لها جميع الدول هي خديعة أن واحدا مثل الخميني من الممكن أن يرسي دعائم العدل والمساواة والسلام بين الأمم والشعوب.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.