حشود الأمم.. وصعود القمم
ليس بغريب على المملكة العربية السعودية إمكانيتها في حشد العالمين العربي والإسلامي في صف واحد وتوحيد كلمتهم وأهدافهم واستراتيجيتهم، فقلب العالم جمع أكثر من 50 دولة تحت راية الإسلام والسلام والتسامح والوئام مع مختلف الأديان. ومن هنا على العرب والمسلمين أجمعين استثمار نافذة الفرص الإيجابية الكثيرة التي فتحتها وأتاحتها زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض والقمم الثلاث التي تزامنت مع هذه الزيارة، وكذلك عودة الولايات المتحدة الأميركية بقوة إلى سابق عهدها كحليف استراتيجي للعرب، وضامن حقيقي للاستقرار الإقليمي، وشريك مساهم بفعالية في صد أي خطر قد يصيب المنطقة بمكروه-لا سمح الله- وما أكثر المخاطر والتحديات في المنطقة الآن، وأولها التحدي الإقليمي القديم والمتجدد الناجم عن السياسة العدائية والسلوك التدخلي للنظام الإيراني ودعمه للميليشيات الإرهابية التي تشيع أجواءً من التطرف والعنف وعدم الاستقرار في العديد من دول المنطقة.
ففي السنوات الثماني العجاف الماضية، كما وصفها بعض المحللين العرب، إبان عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، كان النظام الإيراني يستثمر الاستمالة الأميركية له، وقد نجح في تسليك وإقحام أوراقه وأهدافه في بعض الملفات الشائكة وتمريرها أمام مرأى النظام الدولي، وبمباركة بعض القوى العظمى في العالم، وذلك ابتزازاً لها على طاولة التفاوض بشأن النووي الإيراني! ولعل من أهم تلك الأهداف رفع العقوبات الاقتصادية عن النظام الإيراني لكي يخف عليه ضغط الأزمة الاقتصادية الخانقة، وكذلك التوصل إلى الاتفاقية النووية التي جعلت وقتها «ظريف» وزير خارجية الإيراني يطل من شرفة غرفة الاجتماع في فيينا لمعاكسة الإعلام ومغازلة خصومه متباهياً ومتعالياً.
والحال أن تلك الاتفاقية هي التي جعلت أميركا تفقد ثقة أهم حلفائها في المنطقة، والأرجح أن يكون وضعها الحالي ضبابياً ومرتبكاً بسبب اتجاه الإدارة الأميركية الجديدة لفض تلك الاتفاقية، وإعادة مناقشة بنودها، والوقوف بحسم وحزم في وجه طهران وتدخلاتها لإفهامها أن الموقف الأميركي قد اختلف الآن كثيراً، وأن عليها أن تضع ذلك في حسبانها، وكل هذا ضروري ومطلوب حتى لا تهدد تدخلات وممارسات إيران الأمن والسلم الدوليين.
والآن مع هذه الإدارة الجديدة -والإرادة الجديدة أيضاً في واشنطن، تبدو الفرصة مثالية والأوقات مواتية لتحقيق النجاح في العديد من الملفات والقضايا العربية والإسلامية، التي كانت عالقة في أروقة مساومات وتوازنات القوى الدولية. هذا بالإضافة إلى ما يتيحه وجود هذه الإدارة من شراكة بناءة على الجانب السياسي بين أميركا ودول المنطقة، وكذلك فرص العمل على الاستثمار الأمثل في الجانب الاقتصادي الذي لا يقل أهمية على الجوانب السياسية والأمنية الإقليمية. فهذا هو الوقت الملائم تماماً لمزيد من استشراف فرص الاستثمار بين العرب وأميركا، وتحقيق كل ما من شأنه الدفع بتطوير الشراكات بين الجانبين، والحفاظ على تراكم المكاسب السابقة، وتطويرها بما يواكب الحاضر ويستشرف المستقبل.
وفي الوقت نفسه فهذا هو وقت العمل بصورة جدية لدعم القدرات الدفاعية العربية، والتعاون فيما بين أميركا دول المنطقة لمواجهة الإرهاب والمخاطر والتحديات والتعديات على المصالح العربية. لأن الإرهاب هو القضية المحورية والوجودية، فالإرهاب سرطان أتى على الأخضر واليابس في بعض بلدان العالم العربي، وهو خطر جارف وعابر للقارات، ولذلك فلا يمكن التصدي له أو التعامل معه فقط من جانب واحد، أو على انفراد بالنسبة لكل دولة على حدة، بل لابد من عمل جماعي إقليمي ودولي منسق، ولابد من تضافر الجهود العالمية كلها لدرء مخاطر هذا الشر المستطير عن المنطقة والعالم أجمع.
ولاشك أن أخباراً سارة كثيرة تأتي الآن من الرياض، فالنظام الإقليمي العربي يتعافى من جديد، ويعيد صياغة العلاقات والتحالفات الدولية من على رأس الهرم العربي والإسلامي، بما يحقق الخير والسلام والوئام للمنطقة وللعالم أجمع. كما أن حجم الاتفاقيات المبرمة، وضخامة الشراكات المنعقدة، يعطي مؤشراً واضحاً على قوة واستدامة التحالف العربي الأميركي، الآن ومستقبلاً ولعقود أخرى من الزمن. وكل هذا دليل على أن الحليف التقليدي سيكون بلاشك هو نفسه حليف الحاضر والمستقبل.
نقلا عن "الاتحاد"