.
.
.
.

المظلوميات وقود الإرهاب

ممدوح الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

نشرت «الحياة» مقالاً للأستاذ موريس عايق عنوانه: «المظلوميات والحرب الأهلية المستدامة» (14/5/2017)، حيث وضع الكاتب يده على أحد أخطر المفاصل، إذ «أصبحت لدينا مظلوميات علوية ومسيحية وكردية وشيعية وحتى سنّية، مظلوميات بعدد الجماعات الممكنة وهي ليست بالقليلة عندنا». والمظلوميات، وفق المقال، ترى «العالم في حالة نزاع لا ينتهي»، وهناك «السعي إلى تبرير سلوك أبناء هذه الجماعات بالمطالبة بأن نضع أنفسنا مكانهم، فننظر إلى العالم كما ينظرون إليه ومن على أرضية مظلوميتهم، سيؤدي إلى سلسلة سببية غير منتهية». والمظلومية لا ترى البشر سواسية، بل ينقسمون إلى أبناء جماعتنا والآخرين. و «في عالم النزاع والاضطهاد الأبدي الذي تصوره المظلوميات، تصبح الأخيرة دعوة إلى حرب»، بالتالي فإن «المظلومية حرب أهلية مستدامة». والمظلومية في الحقيقة – وهذا صلب تعقيبي على المقال – تصبح قوة تدمير تبلغ الغاية في الخطورة عندما تنكر مظلومية فئة المساواة وتشعر بالتميز على من سواها (كما هي حال الجماعات اليهودية في أوروبا في عصر التنوير مثلاً، فكانت قناعتهم أنهم «شعب الله المختار»، ومحيطهم يسميهم «الشعب المنبوذ»).

فالجماعة التي تشعر بالتمايز (الديني أو العرقي أو المذهبي أو...) عندما تجد نفسها، كـ «عزيز قوم ذل»، تصبح المعاناة مضاعفة، إذ لا يصلح هذا الخطأ إلا معاملتهم بما يتصورون أنهم يستحقونه، أي أن يكونوا سادة لا مساوين للآخرين! وهذا التمييز – إما بسبب مصدره أو بفعل الزمن – يصبح تمييزاً لا يحتاج إلى تبرير من خارجه، وعندئذ يتم ملء المسافة بين «المختار» و «المنبوذ»، ببدائل جميعها مخربة: فإما الذوبان في الآخر، أو الانسحاب من العالم، أو العنف الفكري ثم اللفظي، وغالباً يليه العنف الفعلي. وفي حالة «الإرهاب»، فإن مظلومية الخلافة (وهي فكرة لا أنكر على أي مسلم أن يتعلق بها من دون أن ينجر للعنف والكراهية)، تحولت إلى وقود للإرهاب.

ومما زاد الأمر تعقيداً وسوءاً شيوع «منطق الضعفاء»، وأفضليتهم وجدارة مظلوميتهم وحقهم في فعل «أي شيء» للانتصار لأنفسهم ومظلوميتهم، ويحفل الأدب العربي (وحديثاً الدراما العربية) بأمثلة على هذا المنطق، بل إن الأعمال الدرامية التي يقدمها الممثل المصري الذائع الصيت محمد رمضان تكاد تكون ترجمة دقيقة لهذه الفكرة، فالبطل في كثير منها هو: النبيل - المظلوم، وفي طريقه لرفع الظلم عن نفسه يستبيح كل المحرمات فيصبح: النبيل - المظلوم - السفاح، ويشكل الإقبال الكبير على أعماله مؤشراً إلى درجة انتشار هذا المنطق لدى شرائح واسعة من مجتمعاتنا.

وتفكيك الفكرة دائماً يسبق منع ما تحمله من قوة دمار.

نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.