.
.
.
.

رحيل مفكر استراتيجى

محمد كمال

نشر في: آخر تحديث:

رحل عن عالمنا مساء الجمعة الماضى «زبجنيو بريجنسكى» مستشار الأمن القومى فى عهد الرئيس الامريكى السابق جيمى كارتر
. البعض منا يتذكر بريجنسكى لدوره الكبير فى مفاوضات كامب ديفيد الشهيرة التى أفرزت معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، ووضعت مسارا جديد للعلاقات المصرية الامريكية، ولمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام. بعضنا الأخر يتذكر دوره فى دعم «المجاهدين» فى أفغانستان أثناء الغزو السوفيتى لها، ويرى أن هذا الدعم الأمريكى هو الذى أفرز بعد ذلك طالبان و القاعدة و غيرها من حركات الاسلام السياسى العنيف، رغم أن أولوية الرجل فى ذلك الوقت كانت إسقاط الاتحاد السوفيتى و تحويل أفغانستان الى فيتنام للروس، و فى ذلك الوقت شاركت أيضا العديد من الدول العربية و الاسلامية فى مساندة المجاهدين، ومنها مصر فى عهد الرئيس الراحل السادات.

بريجنسكى السياسى هو بالتأكيد محل جدل، رغم أنه ترك المناصب الرسمية عام 1981، ولكن بريجنسكى المفكر كان و سيظل محل إحترام و تقدير كبيرين. ويضع المحللون الأمريكيون الثنائى بريجنسكى و هنرى كيسنجر فى مكانة خاصة كمفكرين عظام. بريجنسكى الذى توفى عن عمر يناهز 89 عاما، ظل حتى الاسابيع الأخيرة من حياته يبدع و يكتب و يشتبك فى جدل فكرى حول قضايا العالم، وكانت أخر تويته له فى 4 مايو الماضى كتب فيها أن القيادة الامريكية الرشيدة هى شرط لاغنى عنه لاستقرار النظام الدولى، ولكن أمريكا تفتقد هذه القيادة و العالم يزداد فوضى.

عرفت زبجنيو بريجنسكى و تعاملت معه وتعلمت منه بشكل مباشر فر أثناء دراستى للدكتوراه بكلية الدراسات الدولية بجامعة جونز هوبكنز بالعاصمة الامريكية واشنطن، حيث كان بريجنسكى يعمل أستاذا بها، والتقيت به للمرة الاخيرة منذ سنوات قليلة فى القاهرة عندما جاء ضمن وفد لإعداد دراسة عن أوضاع المنطقة.

بريجنسكى استاذ العلاقات الدولية كان من أنصار الفكر الواقعى، وكان يوجه تلاميذه أن ينظروا للعالم كما هو لا كما ينبغى أن يكون، ويرى أن النظام الدولى تحكمه اعتبارات القوة وتوازن القوى أكثر من المبادئ المثالية ، وأن المصلحة الوطنية يجب أن تكون المحرك الأساسى للسياسة الخارجية للدولة. وبالرغم من أن عصر العولمة أعطى اهمية للاقتصاد والتكنولوجيا، إلا أن بريجنسكى ظل يؤكد أهمية الجغرافيا فى العلاقات الدولية، أو ما يعرف بالجيوبولتيكس، وأن موقع بعض الدول مازال أحد مصادر أهميتها، وأن الصراع على النفوذ فى مناطق جغرافية معينة مازال محور سمات النظام الدولى فى مرحلة مابعد الحرب الباردة. أهتم بريجنسكى أيضا بالتاريخ وأكد ضرورة فهم السياق التاريخى للأحداث المعاصرة.

بريجنسكى كان شخص تحركه الأفكار وليس الطموح السياسى، وكان يرى أنه من المهم أن يرتبط المرء بفكرة كبيرة تكون الهدف الاستراتيجى له، وأن العمل العام ليس هدفا فى حد ذاته، ولكنه وسيلة لتطبيق الأفكار. بريجنسكى كان يهتم دائما بالصورة الكبيرة، وفى مقال أخير له نشر فى يناير الماضى، طرح عددا من الافكار الجديرة بالتأمل حول مستقبل النظام الدولى. تحدث بريجنسكى عنه أنه بالرغم من أن الولايات المتحدة ما تزال أقوى دولة فى العالم من الناحية السياسية و الأقتصادية و العسكرية إلا أنها فقدت هيمنتها على العالم، و لا توجد دولة أخرى الأن تستطيع ممارسة مثل هذه الهيمنة المنفردة. و من ثم دعى الى ضرورة التعاون الثلاثى بين الولايات المتحدة و الصين و روسيا لتحقيق الاستقرار فى العالم. وحذر من التعامل مع الصين على أنها عدو، وأشار الى أهمية مساعدة روسيا فى المرحلة الدقيقة التى مر بها للتحول الى دولة قومية دون ميول إمبراطورية وتشجيعها لأن تكون فاعل إيجابى و نشط فى الإطار الأوربى. وأشار الى أن الولايات المتحدة يجب أن تكون حذرة من الخطر الكبير الذى قد يترتب على تشكيل تحالف صينى روسى أما نتيجة لظروفهما الداخلية أو لأخطاء السياسة الأمريكية. وفى هذا الإطار تحدث عن أن الولايات المتحدة يجب ألا تمنح معاملة تفضيلية للهند كحليف رئيسى فى أسيا لأن ذلك قد يدفع الصين للمزيد من التقارب مع روسيا، وهو الخطر الأكبر الذى قد يواجه الامن القومى الامريكى. وأشار الى أن أوربا لن تكون من القوى الكبرى فى المستقبل ولكنها تستطيع ان تلعب دور ايجابى على الساحة الدولية من خلال علاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة.

بريجنسكى له تاريخ طويل فى مساندة حق الشعب الفلسطينى فى إنشاء دولة مستقلة، وحذر أكثر من مرة من تزايد نفوذ جماعات المصالح المؤيدة لإسرائيل على عملية صنع قرار السياسة الخارجية للولايات المتحدة و بما لا يخدم المصالح الأمريكية. وقد أدى ذلك لاتهام تلك الجماعات له بمعاداة السامية، ولكن ذلك لم يؤثر على مواقفه. وقد رحب حديثا بالاتفاق النووى بين إيران و الغرب واعتبره تطورا إيجابيا وأفضل من البدائل الاخرى المتاحة. وتحدث عن أهمية ظهور قوة إقليمية سنية تساعد على تحقيق الاستقرار بالمنطقة، ورشح أيا من مصر و السعودية و تركيا للقيام بهذا الدور. وفى مقاله الأخير أكد ان انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط قد يؤدى الى المزيد من الفوضى و الحروب بين دول المنطقة كما أنه سيضعف مصداقية الدور الأمريكى فى العالم، ولكنه أشار ايضا الى أهمية التعاون الثلاثى بين الولايات المتحدة و الصين و روسيا للتعامل مع ازمات المنطقة. رحل بريجنسكى عن العالم و ترك ميراثا فكريا يتضمن أكثر من 25 كتابا ومئات المقالات و المقابلات الإعلامية، كانت و ستظل غذاء للعقول، وقراءة ضرورية لكل باحث أو ممارس أو مهتم بالشئون الدولية.


*نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.