ومازال السؤال ينتظر الإجابة!

عباس الطرابيلى
عباس الطرابيلى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

مع التداعيات التى أثارها مسلسل الجماعة.. ورغم أنه مر سريعاً أمام حريق القاهرة فى يناير 1952، إلا أن السؤال مازال يبحث عن إجابة: وهو من الذى أحرق القاهرة فى هذا اليوم الأسود.. ورغم كل الاتهامات التى نالت من جهات عديدة.. إلا أن التحقيقات لم تثبت على وجه اليقين من أحرق القاهرة ومن الذى ارتكب هذه الجريمة، التى نتج عنها فى النهاية سقوط عصر الليبرالية الأعظم فى تاريخ مصر، بإسقاط آخر حكومة شعبية منتخبة هى حكومة الوفد الأخيرة - من يناير 50 إلى 27 يناير 1952 - ودخول مصر فى دوامة حكومات أحزاب الأقلية.. والأهم إيقاف الحركة الوطنية التى صاحبت إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936 «فى أكتوبر 1951» الحكومة التى كانت هى أكبر داعم للفدائيين، الذين يقاتلون قوات الاحتلال، فى منطقة قناة السويس وهى أول حكومة فى العالم تقف هذا الموقف العظيم لدعم النضال الشعبى.

وطالت الاتهامات: القصر الملكى والملك فاروق نفسه. والإنجليز، من مقر سفارتهم إلى معسكراتهم فى القناة، وحزب مصر الفتاة، والإخوان المسلمين، وجمال عبدالناصر نفسه وجرت تحقيقات، ووقعت اعتقالات، ودخل السجون من دخل، وتمت محاكمات.. ورغم ذلك وبعد مرور أكثر من 65 عاماً لم نعرف الحقيقة.. وبالتالى لم نجد إجابة على سؤال: من أحرق القاهرة؟

وسألت مراراً فؤاد سراج الدين باشا بصفته كان وزيراً لداخلية مصر أى الذى يفترض أنه يعرف الحقيقة.. ولكنه كان يصمت أحياناً، ثم يعود ويجيب: ابحث عمن له مصلحة فى هذه الجريمة.. ومن له مصلحة فى إسقاط حكومة الوفد الشعبية ومن ينتفع من إجهاض الحركة الوطنية، وإيقاف المد القومى وقتل حركات الفدائيين.. ثم كان يصمت بعدها، وإن كانت المرارة واضحة على وجهه وفى نبرات صوته. وسألت نفس السؤال لمعالى إبراهيم باشا فرج وكان وزيراً للشؤون البلدية والقروية فى حكومة الوفد الأخيرة، وكان المسؤول عن توفير فرص العمل للعمال المصريين الذين تركوا العمل فى المعسكرات الإنجليزية للتضييق على حياة قوات الاحتلال فى القناة، وكان من أقرب الوزراء إلى النحاس باشا نفسه بحكم أنه كان حتى قبل توليه الوزارة، كان مديراً لمكتب النحاس باشا.. بل تولى منصب وزير الخارجية بالنيابة أيام غياب وزيرها محمد صلاح الدين باشا.. فلم تخرج إجابته، عما قاله فؤاد باشا.. ثم سألت السؤال نفسه أيضاً للدكتور وحيد رأفت - نائب رئيس حزب الوفد الجديد - عقب عودته للحياة السياسية وكان وقتها - أيام الحريق - أحد أكبر مستشارى مجلس الدولة.. ولم أخرج بنتيجة.

ترى من له مصلحة فى إحراق القاهرة صباح يوم 26 يناير 1952؟!

كان القصر الملكى يستهدف إسقاط حكومة الوفد، لأنها جاءت رغماً عنه وبإرادة شعبية، وأغلبية كاسحة.. ربما لأنها رفضت منحه قرضاً لإصلاح اليخت الملكى وربما لأنها ازدادت شعبية بعد إلغاء المعاهدة ودعمها للحركة الوطنية وللفدائيين وكانت ترفض الاستجابة لبعض طلباته.

وكان الإنجليز يستهدفون أيضاً إسقاط حكومة الوفد، لتدعيمها الحركة الوطنية ضدهم.. وكانت وسيلتهم إحداث جريمة كبرى تجعل الملك يقيل الحكومة ولم يكن أمامهم إلا إحراق القاهرة.. وهنا تلتقى رغبات الملك مع أهداف الإنجليز لإسقاط الحكومة.

وطالت الاتهامات - أيضاً - حزب مصر الفتاة وقادته مثل أحمد حسين وفتحى رضوان ومحمد صبيح.. وغيرهم، وتم اعتقال أحمد حسين وتقديمه للمحاكمة، وكذلك رفيقه فتحى رضوان، وظلا فى السجن رهن المحاكمة إلى أن قامت ثورة يوليو 1952 فأفرجت الثورة عن أحمد حسين.. وخرج فتحى رضوان من السجن.. إلى الوزارة!!

وقيل أيضاً إن هناك من رأى «الضابط» جمال عبدالناصر يتجول وسط القاهرة بسيارته الأوستن السوداء.. وسط المحال التى تأكلها النيران.. بل قيل إن البودرة البيضاء المستخدمة فى عملية الإحراق لا تملكها أيامها إلا القوات المسلحة.. بل طالت الاتهامات جماعة الإخوان المسلمين بعد التضييق الحكومى على نشاطها من أيام حكومة النقراشى - حتى قتلوه - ثم عبدالهادى الذى اعتقل الآلاف منهم.

■ ■ ودارت محاكمات، وتمت تحقيقات، ثم تقرر إغلاق الملف بالكامل.. لعدم الوصول إلى الفاعل الحقيقى لجريمة إحراق القاهرة.. وهى محاكمات امتدت فى العهد الملكى نفسه.. ووصلت إلى حكومات ثورة يوليو.. فهل تم إغلاق الملف لعدم الوصول إلى الحقيقة.. أم أن هناك أمراً خطيراً ليس فى المصلحة كشفه للناس.

■ ■ ورغم وفاة كل شهود الواقعة.. ورغم إخفاء الوثائق الحقيقية.. إلا أننا لم نعرف - علم اليقين - الإجابة الصحيحة للسؤال الأبدى: من أحرق القاهرة، هل هى قوى تابعة للقصر الملكى.. أم قوى كانت تمهد لحركة ما للقفز على مقاعد الحكم.. ولذلك فإن كلتا الجهتين تعمدتا إخفاء الحقيقة فى العهدين الملكى.. والثورى.

■ ■ ونحن لا نطلب إعادة فتح الملف.. ولكننا ننتظر من ينير الطريق.. على الأقل لنعرف من الذى فكر ثم قاد ثورة الشباب يوم 25 يناير 2011 أم يا ترى سنظل نجهل الكثير مما جرى لنا، نحن كل المصريين.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.