انقلاب الكود الوراثي

خالص الجلبي
خالص الجلبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

يعتبر حيوان «الخلد» من أقبح الكائنات الحية؛ جلد مترهل، وبطن منفوخ، وسنان بارزان معقوفان للأمام، ومخالب ناتئة. هذا المخلوق البشع يمتد عمره في أنفاقه تحت الأرض في حالة أقرب للعمى ثلاثين عاماً، ويعيش في مجموعات بين 200 و300 فرد. ومقارنة ببقية القوارض مثل الفأر، فإن عمره عشرة أضعاف القوارض المشابهة، فأي سر وراء عمره الممتد؟ لقد حرك شهية علماء لدراسة نظام الجينات في خلاياه، بحثاً عن سر عمره المديد. وإذا كانت الطبيعة قد حبت هذا المخلوق المختبئ في الظلمات بعمر طويل، فقد قام العلماء بتجارب رائدة على السمك المخطط، وذبابة الفاكهة من خلال التلاعب بالمخطط الجيني، فأمكنهم أن يمنحوا «الديدان الخيطية» عشرة أضعاف الحياة التي تعيشها عادة.. لكن لماذا لا يحدث ذلك مع الإنسان؟

يبدو أن السر وراء ما كشفته العالمتان «كارول كرايدر» و«إليزابيث بلاكبورن» من أن عمرنا يكمن في الانقسام الخلوي المحفوظ في نهاية الكرموزومات، من خلال بروتين (التيلومير)، ومن العجيب امتلاء البلازما عند كل من الجنين وخلايا السرطان بهذا المركب، وكأن خلايا السرطان لا تموت بسبب هذا الإنزيم، وفعلاً حصل هذا مع سرطان رحم عند السيدة «هنرييته» التي شبعت موتاً، لكن خلايا سرطانها ظلت تتابع انقسامها بلا هوادة. قال العالمان: إذا كان الأمر كذلك، فليس أمامنا سوى إطعام الخلايا هذا الترياق، لتتابع انقسامها، فلا تموت ولا تنقرض.

وحالياً بين أيدينا ثلاث ظواهر محيرة عن عمل الجينات والحياة: الأول ظاهرة البروجيريا، أو متلازمة هتشنسون جيلفورد، وهي حالة رأيتُ منها واحدة، وأردت تصويرها فمات صاحبها في اليوم التالي. ظاهرة البروجيريا هي سرعة الانقسام الخلوي في اتجاه الشيخوخة والتآكل والنكس، فبدل أن يعيش صاحبها ثمانين حولاً، فهو يقطعها بسرعة خاطفة في ثماني حجج، فترى سحنة شيخ ملّ الحياة، بتجعد جلد، وهرم مطبق، مذكراً بقصة فيلم «شاب إلى الأبد» (Young for ever) حين أودعت التجربة جسد شاب في التبريد، ليقوم بعد نصف قرن، فلما أفاق استدركت الخلايا ذاكرتها الضائعة فهرم وشاخ في أيام معدودات.

الظاهرة الثانية مقلوبة تماماً، وقد سجلها عالم الشيخوخة «ريتشارد ووكر» عن البنات الخمس اللواتي تأبى أجسادهن التزحزح عن الطفولة، وعندما بلغن العاشرة كن ما زلن في عمر الرضاعة، وكأنهن قررن إيقاف النكس الخلوي وامتداد مخالب الزمن.

أما الحالة الثالثة فهي ولادة طفل على شكل عجوز، ليرتد إلى الرضاعة ويموت في المهد صبياً! هذه الحالة الثالثة لم تسجل إلا في الخيال العلمي ومثّلها براد بيت في فيلم «الحالة الغريبة»، وإن رأيناها كما في «البروجيريا»، أو «البنات الخمس» فلا غرابة. فالطبيعة تبدل جلدها دوماً بطفرات وتفاجئنا بحالات شديدة الغرابة.

والسؤال: أين السر في الجينات؟ ولماذا نشيخ ثم نموت؟ ومن يضبط نظم الشيخوخة؟

جاء في الحديث الشريف أن موسى عليه السلام غضب من ملك الموت فرجع إلى ربه يشكو، فأرسله برسالة تقول إن بإمكان موسى أن يضع يده على متن ثور فله بكل شعرة سنة. وهنا أدرك موسى أن الموت لا مفر منه، فقال: الآن، يا رب الآن.

الفرار من الموت حلم قديم، وامتداد العمر أمر جيد، لكن بشرط أن لا يشيخ الإنسان، بل يتمتع بالحياة في عمر الثلاثين، كما نعرف عن أهل الجنة جزاءً ومصيراً.

*نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط