.
.
.
.

غياب الشرق الأوسط عن اهتمام الأحزاب في بريطانيا

لينا الخطيب

نشر في: آخر تحديث:

تقوم بريطانيا اليوم بانتخاب مجلس جديد للنواب (العموم) الذي تنبثق منه حكومة جديدة، بعد إعلان رئيسة الوزراء تيريزا ماي انتخابات مُفاجِئة، في خطوة اعتبرت مبنية على أساس تَرَقُّب الفوز الساحق لحزب المحافظين. وتُظهِر استطلاعات الرأي الأخيرة أن هذا الحزب سوف يفوز بغالبية الأصوات، إلا أنه يبدو أن حزب العمال يتجه إلى تحقيق بعض المكاسب. ولكن بغض النظر عن أي من الطرفين سيفوز، فإن تشكيل حكومة جديدة لن يؤثر في شكلٍ كبير في العلاقات السياسية للمملكة المتحدة مع الشرق الأوسط.
يأتي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على رأس جدول أعمال كلا الحزبين في هذه الانتخابات. ومع الهجمات الإرهابية الأخيرة في مانشستر ولندن، أصبح الأمن الوطني أيضاً مصدر قلقٍ رئيسي. ولكن ما يلفت الأنظار هو أنه باستثناء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يبدو أن كلاً من الطرفين لا يضع السياسة الخارجية على رأس جدول أعماله الانتخابي. وعند قراءة البيانين الانتخابيين للحزبين، يتضح أن الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، ليس قضية رئيسية لأيٍ منهما.
قد يبدو ذلك مُفاجئاً في ضوء الحدثين الإرهابيين اللذين وقعا في إنكلترا في أيار (مايو) الماضي وشهر حزيران (يونيو) الحالي، واللذين أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته أو تم اعتباره المسؤول عنهما. ففي نهاية الأمر، تدفع خسائر «داعش» في العراق وسورية هذا التنظيم إلى التعويض من خلال الانخراط في الهجمات الانتهازية في جميع أنحاء العالم. وكلما خسر «داعش» أكثر، كلما كان من المُنتظر تجنيد أنصار له في الغرب وفي أماكن أخرى، من أجل إظهار أنه لا تزال له اليد العليا والنفوذ العالمي. ومع ابتداء موسم الصيف السياحي، يمكننا أن نتوقع حدوث المزيد من الهجمات الإرهابية، وبخاصة في أوروبا.
ولكن لا حزب المحافظين ولا حزب العمال تحدث بإقناع عن العلاقة بين الحوادث الأمنية في الداخل والصراعات في الخارج. في أعقاب هجوم مانشستر، قال زعيم حزب العمال جيريمي كوربين إن السياسة الخارجية للمملكة المتحدة في الخارج هي المسؤولة عن الإرهاب في الداخل. ولكن في هذا الصدد، كان كوربين يقوم بمجرد إلقاء اللوم بخصوص الإرهاب المحلي على التدخل العسكري من قبل المملكة المتحدة في الخارج من دون شرح آليات هذا الربط.
وينعكس هذا الموقف في بيان حزب العمال الانتخابي، ويعود إلى تجربة غزو العراق عام 2003 والتي كان زعيم الحزب السابق توني بلير مسؤولاً عنها جزئياً. ويشير البيان إلى تقرير تشيلكوت- أي التحقيق المستقل في الحرب على العراق الذي نشر السنة الماضية- كمثالٍ للتعلُم من الماضي، ويقترح الحزب إنشاء منصب وزير «السلام ونزع السلاح». ويعد البيان أيضاً الناخبين بإعادة تنشيط العملية الديبلوماسية لإنهاء الصراع السوري.
المشكلة في توصيف التدخل الخارجي كجالب لانعدام الأمن الداخلي، هي أنه لا يأخذ في الاعتبار السياقات المختلفة للعراق في عام 2003 والعراق وسورية اليوم. كما أنه لا يقدم نقداً لكيفية استخدام المملكة المتحدة التدخل العسكري في العراق وسورية الآن، وهو تدخل محدود بمكافحة «داعش» وليس مبنياً على استراتيجية متكاملة عسكرية وسياسية تشمل الانتقال السياسي في سورية. كما أن البيان لا يعطي أي تفاصيل حول كيفية تحقيق حزب العمال هدفه لإنهاء الصراع السوري ديبلوماسياً، أو تسوية الصراع الليبي من خلال المفاوضات. وبالتالي فإنَّ دور بريطانيا في تلك الصراعات، كما يوصف في البيان، يُعَد غامضاً جداً.
ويأتي البيان الانتخابي لحزب المحافظين ليُعَد أكثر إبهاماً في ما يتعلق بالشرق الأوسط، والذي لم يُذكَر حتى بالاسم في النص. يشير البيان إلى تقديم «استراتيجية عالمية رائدة لمكافحة الإرهاب» من دون أن يقول كيف تختلف هذه الاستراتيجية عما تفعله المملكة المتحدة الآن في شأن هذه المسألة. ويشير البيان إلى إقامة شراكات أمنية جديدة، ما يعني زيادة الاستثمار في الجانب التقني للدفاع، ولكن ليس الاهتمام بدور السياسة في تَسيير الأمن.
الأهم من ذلك أنه، خلافاً لموقف حزب العمال، فإن بيان حزب المحافظين يعالج قضية مكافحة التطرف من منطلق وطني محض. وهو يقترح إنشاء لجنة لمكافحة التطرف، لكن أهداف هذه اللجنة المُدرَجة في البيان لا تقدم شيئاً جديداً، إذ إن البيان يقول ببساطة إن اللجنة ستُحدد وتكشف أمثلة عن التطرف، وتدعم المجتمع المدني و «تساعد الحكومة على تحديد سياسات مكافحة التطرف».
الحزب الوحيد الذي يذكر الشرق الأوسط بدرجة من التفصيل، على رغم ذكره السياسة الخارجية فقط في نهاية البيان الانتخابي، هو الحزب الديموقراطي الليبرالي. ولكن هنا تبدو مبادئ الحزب وسياساته غير متوازنة. فإيران، على سبيل المثال، لا تذكر على الإطلاق. ويعرض البيان التدخل العسكري كأمرٍ ضروري أحياناً، ولكنه لا يربط هذا الأمر مع سياق الصراعات في الشرق الأوسط. وهذا يجعل من غير الواضح ما إذا كان الحزب سيكون داعماً أو لا لزيادة الدور العسكري للمملكة المتحدة في سورية على سبيل المثال. وخلافاً لحالتي كلٍّ من حزب المحافظين وحزب العمال، يوضح بيان الديمقراطيين الليبراليين كيف يرى الحزب العلاقة بين الإرهاب المحلي والسياقات الخارجية، ولكنه يفعل ذلك فقط من خلال تسليط الضوء على قضية المقاتلين البريطانيين الذين انضموا إلى «داعِش» والذين قد يعودون إلى المملكة المتحدة.
إن بيانات الأحزاب الثلاثة تعد إشكاليات في حد ذاتها. والطريقة التي تَصف بها الشرق الأوسط تبسيطية نوعاً ما. فالكل ينظر إلى المنطقة في المقام الأول من منظور الأمن. وحتى عندما تُبذل محاولة لربط سياسة المملكة المتحدة تجاه الشرق الأوسط مع تداعيات في داخل البلاد، فإن هذه العلاقة لا تزال تصور بطريقة سطحية. ولا يوجد في أيٍ من هذه البيانات الثلاث اعتراف بأن العديد من الهجمات الإرهابية المستمرة في المملكة المتحدة وعالمياً هي، في نهاية المطاف، نتيجة مظالم سياسية مستمرة في الشرق الأوسط.
وكلما يلوح في الأفق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يبدو أن المملكة المتحدة تركز في شكلٍ متزايد على الشؤون الداخلية وليس الشؤون الدولية. أولئك الذين قد يأملون بفوز حزب المحافظين أو حزب العمال من أجل أن تتخذ المملكة المتحدة سياسات خارجية جديدة يمكنهم أن يتوقعوا مجرد اختلافات بسيطة في شأن الشرق الأوسط بين ما تقوم به حكومة ما بعد ديفيد كاميرون، وما ستفعله الحكومة الجديدة. وبغض النظر عمن يفوز بالانتخابات، فإن الأمور السياسية في الشرق الأوسط لم تعد شأناً رئيسياً للسياسة الخارجية بالنسبة إلى المملكة المتحدة.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.