القرقوشة
الأوضاع في المنطقة مليئة بالتناقضات والتبدلات السريعة. لفهم هذه المعادلة والتعامل معها بنجاح (قف مع بلادك).
قد تبدو وصفة سهلة. مع الأسف التطبيق صعب المنال. مشكلة المشاكل التي نعاني منها تقف على كلمات أربع. (الجهاد الأمة الوحدة الخلافة). حساسية نقد هذه الكلمات وتحليلها تجعل منها رافعة يستغلها دعاة الحروب والأحلام الزائفة لتكفير أعدائهم وجر البسطاء لمشاريعهم الهلامية وتدويل مواطنيهم. لا فرصة ولا مساحة لتحليل هذه الكلمات الأربع. سأكتفي بالإشارة إلى أثر واحدة من هذه الكلمات على حياتنا.
تدخل بلادنا هذه الأيام معركة تصحيح أوضاع طالما أرقتنا وسببت مشاكل لنا وللآخرين. يشعر المواطن بالأسف أن اضطرت القيادة إلى دخول هذه المعركة بهذه المستوى من الحزم. جسر لابد من عبوره لمصلحتنا ومصلحة المنطقة أيضا.
تخلف عدد كبير من الدعاة عن إظهار حقيقة موقفهم من الأحداث. هذا أمر طبيعي وثمن ندفعه نتيجة تدويل الإنسان السعودي في فترة الثلاثين سنة الماضية. أي مشكلة تحصل في أي مكان في العالم يظهر فيها مسلم واحد تصاغ لمواطنينا على أساس أنها مشكلتنا. صراع في الفلبين يتعامل معه الإنسان السعودي كأنه صراع يحدث في الدرعية أو جازان علينا جميعا أن نهب ونذب ونلعن ونسب ونعلن العداء لدولة الفلبين ولأكبر كمية من الدول والبشر.
المشاكل في العالم لا تنتهي والمسلمون أكثر من مليار ونصف يتوزعون على العالم بأسره. في بريطانيا وفي الأرجنتين وفي الصين وفي أفريقيا الخ. هذا التوزع جعلنا مشغولين بكل شيء في هذا العالم، من انفجار برميل غاز في بلد إلى جفاف يضرب بلد آخر. كل من أراد استلاب الشباب السعودي يكفيه أن يتخذ موقفا متطرفا من قضية إسلامية في أي مكان في العالم. إذا أصدرت وسط أفريقيا بيانا شديد اللهجة ضد بورما ضج دعاتنا وبايعوا حكومة وسط أفريقيا، وإذا قام زعيم تركي بشجب الممارسات الإسرائيلية ضد أهل غزة تضاعف عدد السياح السعوديين في استنبول وأصبح الزعيم التركي الخليفة المنتظر. صار بعض السعوديين مثل الأطفال. يكفيه قرقوشة إسلامية يقرقش بها أي زعيم سياسي في أي دولة. استغل كثير من الدعاة اللعبة. أرسوا علاقات مباشرة مع صاحب القرقوشة على حساب وطنهم. بل إن معظم هؤلاء آثروا أن يكونوا القرقوشة نفسها. لم يعد المقرقش يحتاج إلى قرقوشة من التصريحات. أعفاه من فوضوا أنفسهم النهوض بهذا الدور. أحكم الدعاة قبضتهم على العقلية الطفولية التي أفشوها بين مواطنيهم بالطموحات الزائفة كالخلافة والوحدة والأمة والنصر والتمكين. تم تدويل بعض مواطني السعودية. أصبحت كلمة وطن هلامية المعنى في أذهانهم. حلت محلها كلمة (الأمة).
* نقلا عن "الرياض"