الهند وأفغانستان.. دواعي الممر الجوي
دشنت الهند وأفغانستان هذا الأسبوع أول رحلة على ممر للشحن الجوي يهدف إلى الالتفاف على رفض باكستان منح الهند حقوق العبور من أجل تعزيز تجارتها الثنائية مع أفغانستان. فلأسباب سياسية واستراتيجية، تقيّد باكستان تجارة الهند مع أفغانستان، مستغلةً كون معظم الطرق التجارية التي تُعد فعالة من حيث الكلفة بين الهند وأفغانستان تمر عبر أراضيها. صحيح أن باكستان تسمح لأفغانستان بإرسال بعض سلعها إلى الهند، إلا أنها تقيّد بشكل كلي وصول الهند إلى أفغانستان عبر الطرق البرية.
ولهذا، فإن ممر الشحن الجوي يمثل طريقة يمكن للهند من خلالها زيادة تجارتها مع أفغانستان، وإنْ كان خياراً غير فعال من حيث الكلفة. غير أن عدم وجود طريق بري يعوق التجارة بين البلدين، ونتيجة لذلك، لا تستطيع أفغانستان الاستفادة من كل الإمكانيات التي يتيحها أحد أسرع الاقتصادات نموا في العالم. ذلك أنه بالنسبة لاقتصاد أفغانستان الفتي، ما زالت الاستفادة من موقع الهند متعذرةً حتى الآن، على الرغم من أن الهند تُعد ثاني أكبر شريك تجاري لأفغانستان. ولهذا، وفي ظل هذه الظروف، فإن إطلاق الشحن الجوي بين البلدين لا يمثل قراراً اقتصادياً فحسب، ولكنه قرار استراتيجي أيضاً يهدف إلى بحث وتطوير خيارات أخرى.
وكان قرار إنشاء ممر للشحن الجوي قد اتُّخذ من قبل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الأفغاني أشرف غاني في سبتمبر الماضي، بعض أن رفضت باكستان طلبات من الزعيم الأفغاني بالسماح بتجارة مباشرة مع الهند عبر أراضيها. ومن المتوقع أن يساهم الممر الجوي في رخاء البلد الذي تمزقه الحرب ويعيش واحدة من أصعب المراحل في تاريخه. الممر الجديد، وإنْ كان محدودا، يَعد بفوائد مهمة، حيث تتطلع نيودلهي إلى تعزيز التجارة بين البلدين من 700 مليون دولار حالياً إلى مليار دولار في فترة ثلاث سنوات. كما سيتيح لأفغانستان إمكانية أكبر للوصول إلى الأسواق في الهند، ولرجال الأعمال الأفغان بالاستفادة من نمو الهند الاقتصادي وشبكاتها التجارية، ناهيك عن تمكين المزارعين الأفغان من الوصول إلى الأسواق الهندية بشكل سريع ومباشر لبيع منتجاتهم القابلة للتلف.
غير أنه بالتوازي مع ذلك تسعى الهند جاهدة لإيجاد وتطوير بدائل أخرى. وعلى سبيل المثال، فإن ميناء شهبهار، الذي تقوم الهند بتطويره منذ سنوات، من شأنه أن يمنح نيودلهي إمكانية أكبر للوصول إلى أفغانستان. المشروع يوجد قيد الإنشاء منذ سنوات، ولكن أشغال الإنجاز متأخرة عن الجدول الزمني المحدد للمشروع. ومع أن الهند ليست لديها حدود مع أفغانستان، إلا أنها ظلت منخرطة مع الشعب الأفغاني بحكم روابطها الثقافية القوية.
وقد لعبت الهند دوراً مهماً في عملية إعادة إعمار أفغانستان، حيث أنفقت ما يزيد على 2.2 مليار دولار في إنشاء الطرق ومبنى برلمان البلاد. وإلى جانب المشاريع المهمة، أنجزت الهند أيضاً مشاريع أصغر مثل بناء المدارس ومحطات توليد الكهرباء. كما أنشأت «سد سلمى»، الذي يعرف أيضا ب«سد الصداقة الأفغانية- الهندية».
وفي هذا الظرف الذي يتميز بقدر متزايد من حالة اللايقين نظرا لما يجري داخل أفغانستان، ترغب الهند في أن تبقى منخرطة وألا تفقد موطئ القدم أو العلاقات الجيدة التي اكتسبتها خلال السنوات القليلة الماضية. إنها تريد أن يبقى لها دور في أفغانستان، وأحد الطرق الممكنة للقيام بذلك تكمن في محاولة زيادة التجارة مع أفغانستان، وهي خطوة ستكون مفيدة لكلا البلدين.بيد أن المحاولات الرامية إلى زيادة التجارة مع نيودلهي تأتي في وقت يتميز بحالة من عدم اليقين بالنسبة لكابول، حيث يشهد البلد حالياً ارتفاعاً مفاجئاً في أعمال العنف بعد أن حوصر عناصر تنظيم «داعش» في سوريا. وهناك إمكانيات حقيقية لأن يحاول إرهابيو «داعش» المهزومون الآن التسلل واللجوء إلى هذا البلد المدمَّر بمساعدة من زعماء الحرب. فعلى مدى الأسبوعين الماضيين، كان ثمة هجومان مميتان على الأقل في أفغانستان، حيث قُتل 29 شخصا وجُرح أكثر من 60 شخصاً آخراً في هجوم انتحاري باستخدام سيارة مفخخة أمام بنك في إقليم هلمند. وفي هجوم مميت آخر، قُتل حوالي 80 شخصاً وجُرح أكثر من 350 في هجوم انتحاري استخدمت فيه سيارة ملغمة بالمنطقة الدبلوماسية الراقية في كابول، قريباً جداً من السفارة الهندية. ونظراً لأن عدم الاستقرار في أفغانستان يطرح إشكاليات بالنسبة للمنطقة برمتها، فمما لا شك فيه أنه من المهم جداً بقاء الهند منخرطة في أفغانستان.
* نقلاً عن "الاتحاد"