.
.
.
.

الصين والعلاقات الهندية الأميركية

د. ذكر الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

يسعى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة لأنه يعتبرها ميزة استراتيجية للهند، وربما هذا هو السبب وراء وصف زيارته في الآونة الأخيرة إلى واشنطن في أول اجتماع وجهاً لوجه مع الرئيس دونالد ترامب بأنها شديدة الأهمية، ومضت الزيارة بشكل جيد، وأقام الزعيمان القوميان مودي وترامب علاقة وقد أظهرت أن الولايات المتحدة ما زالت ترى في الهند شريكاً مهماً.

وقبل الزيارة، كان هناك تخوف من طريقة التعامل مع الهند التي سيتبعها ترامب المشهور بميله البراجماتي وصراحته، وتعززت العلاقات بين البلدين في ظل الإدارات الأميركية السابقة بناء على المخاوف المشتركة من صعود الصين، مما حفّز على تعزيز الشراكة العسكرية بين البلدين وعلى التعهد بالعمل بشكل وثيق في منطقة آسيا والهادئ، لكن ترامب كان قد بث درجة من عدم اليقين بشأن سياسته تجاه آسيا بعد أن أبدى ميلاً للتواصل بشكل أكبر مع الصين، بينما انتقد الهند فيما يتعلق بسياسة تغير المناخ، كما انتقد الشركات الهندية التي تنتج برامج تطبيقية في الكمبيوتر تحرم المواطنين الأميركيين من بعض الوظائف. والتجارة تمثل أيضاً قضية مهمة في إدارة ترامب التي تفحص العلاقات التجارية مع الدول التي تعاني معها الولايات المتحدة من عجز في الميزان التجاري، والجدير بالذكر أن العجز الأميركي في الميزان التجاري مع الهند بلغ 30.8 مليار دولار عام 2016.

لكن المودة التي اتضحت أثناء الاجتماع أظهرت أن الهند ما زالت نقطة مضيئة للولايات المتحدة تحت قيادة ترامب الذي أظهر عدم اهتمام بعدد من زعماء العالم. والقضايا المثيرة للنزاع بين البلدين لم تؤثر على الزخم العام للعلاقات بين البلدين. ومن الواضح أن البيان المشترك الذي نُشِر بعد المحادثات يعكس تضافراً في مجالات كثيرة بين البلدين. والجوانب الأكثر أهمية من البيان مثلت إشارة مباشرة لباكستان وإشارة غير مباشرة إلى الصين، وطالب البلدان باكستان ألا تسمح باستغلال أراضيها لشن هجمات إرهابية على بلدان أخرى. وربما هذا هو أقوى بيان يصدر عن اجتماع للهند والولايات المتحدة على هذا المستوى فيما يتعلق بالإرهاب، ورغم أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تعاون باكستان في أفغانستان وستواصل المشاركة معها نتيجة أهميتها الجغرافية الاستراتيجية، فإن البيان تجلت فيه مخاوف واشنطن الأمنية.
والإشارة بشكل غير مباشر إلى الصين من الجوانب المهمة الأخرى للزيارة، فالهند والولايات المتحدة قلقتان من صعود الصين وتنامي قوتها العسكرية، وأيّد البيان المشترك حرية الملاحة البحرية، وحثّ أيضاً على «احترام السيادة وسلامة الأراضي» في المشروعات الإقليمية للربط الاقتصادي. وعارضت الهند مشروع الصين المعروف باسم «طريق واحد وحزام واحد» لأنه يمر عبر أراضٍ متنازع عليها من الجانب الباكستاني في كشمير، وتشعر الهند أيضاً أن المشروع يعزز الوجود الصيني لدى جارتها التي تمثل بالفعل منطقة قلق لدى نيودلهي.

وتناول موضوع الصين مهم لأنه قبيل الاجتماع بين مودي وترامب، حذَّرت الصين البلدين من السعي للتقارب فيما بينهما للوقوف ضدها.

وبالنسبة للهند والولايات المتحدة ما زالت الصين مجالاً مثيراً للقلق، وهي السبب إلى حد كبير في التعاون المتنامي بين نيودلهي وواشنطن. وعززت الهند علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية. ويشارك البلدان، بالإضافة إلى اليابان، في مناورات بحرية سنوية، وبالنسبة للهند فإن مصدر التوترات مع الصين سببه أن البلدين مشتبكان في نزاع حدودي على مناطق لم يتم ترسيمها.

وأثناء زيارة مودي لواشنطن، اندلع خلاف حدودي بين الهند والصين، وهو ما قد يصبح قضية كبيرة، فقد اتهمت الصين الهند بإرسال جنودها إلى الأراضي الصينية، بينما اتهمت الهند الصين بمحاولة بناء طريق في بوتان القريبة من ولاية سيكيم الهندية، واتهمت بكين نيودلهي بعرقلة بناء الطريق بينما اتهمت الهند وبوتان الصين ببناء الطريق في أراض تقع داخل بوتان. ولدى الصين وبوتان نزاع حدودي غير محسوم في هذه المنطقة، وبالنسبة للهند فإن للطريق تداعيات أمنية لأنه يجعل الصين أقرب إلى الحدود الهندية، وأشارت الهند أيضاً إلى أن الصين كان من المفترض أن تخبر الهند في حالة قيامها ببناء أي من مشروعات البنية التحتية في مناطق قريبة من الحدود الهندية وتتعلق بدولة أخرى. وهذا النزاع الحدودي فريد من نوعه إلى حد ما، لأن الهند والصين ليس لديهما أي نزاع في هذا القطاع من الأراضي والحدود مرسومة بشكل دقيق.

ومن الناحية الأمنية فمن الواضح أن زيارة مودي مهمة ولا شك تقريباً في أنه ما كان لها أن تكون أفضل. بينما لدى أميركا والهند عدد قليل من القضايا الخلافية، فمن الواضح أن الصين هي عامل الوحدة، وأن نيودلهي تستطيع أن تحصد فوائد تحالفها الوثيق مع واشنطن.

* نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.