.
.
.
.

السيارة الطائرة

خالص جلبي

نشر في: آخر تحديث:

هل يمكن للسيارة أن تطير؟ يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، وهو يتحدث عن المنطق الأرسطي الذي أعاق تقدم العقل الإنساني وسجنه ألفي سنة في ما يسميه المناطقة المقدمة الكبرى، ثم المقدمة الصغرى، فالنتيجة، انطلاقاً من أعلى إلى أسفل، خلافاً للمنهج الاستقرائي المقلوب.. يقول (الوردي) لنطبق هذه القاعدة على الطيارة: الحديد لا يطير، الطيارة حديد، إذن فالطيارة لا تطير. فكيف طار الحديد إذن، والطيارة تنقل ملايين العباد عبر القارات حالياً؟ لو أردنا الانتظار أمام مسلمة أرسطو حتى اليوم، لبقينا نركب الخيل والبغال والحمير والجمال حتى الساعة.

ويذكر الوردي أن أهل العراق حين أبصروا السيارة للمرة الأولى قالوا إن فيها بالتأكيد جني داخلها يحركها! لكن حين أبصروا الطيارة للمرة الأولى قالوا: فقط الموت لا يقدرون عليه.

وحالياً يعمل الفنيون بحماس لإنتاج السيارة المحلقة في الأفق. النموذج الأول هو الذي تم إنتاجه في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من نوع «إيهانج 184» (Ehang 184)، وهي سيارة ترتفع من الأرض شاقولياً، وتعرج إلى السماء حتى ارتفاع 1000 متر، وتمضي مثل بساط الريح بسرعة 60 كم في الساعة، وحتى مسافة 300 كم، وتنزل بلطف إلى الأرض، بفعل الحساسات التي تتفقد مكان الهبوط، ويكفي أن تدخل فيها فتغلق الباب، وتكبس زر التشغيل، وتعين الهدف على لوحة كمبيوتر، فتمضي بك حيث تريد.

السيارة الطيارة تسافر بالليل والنهار، فهي لا تسأم ولا تحتاج لقيادة، بل تقود نفسها بنفسها، وتعمل في الريح والحر ومعظم الظروف، الخوف عليها فقط من الصواعق الرعدية، لأنها تعمل بالكهرباء. إنها لا تبعث بالغازات السامة ولا تلوث الجو، ومن المفروض أن يبدأ تصنيعها مع صيف عام 2017. إنها أقرب للخيال العلمي، وهي الوعد الذي تحقق مما تنبأ به جول فيرن قبل أكثر من قرن. شكلها بيضاوي وفيها أربع عنفات، وثمانية موتورات إلكترونية.

وقد خضعت السيارة الطائرة للتجربة وثبت نجاحها، بيد أن الإمارات تخطط لما هو أكثر منها، وهو سيارات تسير من دون سائق في الطرق السريعة عام 2030.

ويقول مدير «الأير باص»، توم أندرس، إن ما سيحصل في العقد القادم لن يكون أقل من ثورة في عالم التنقل، والسبب هو تقدم التكنولوجيا وتوفر الذكاء الصناعي وتقدم بطاريات الليثيوم، وحساسات أدق، وأنظمة طيران محكمة، وموتورات إلكترونية فعالة، ومواد بناء الكابينة الخفيفة.

إنه باختصار عصر «الفي تول» (VTOL)، وهي اختصار لأربع كلمات: ارتفاع شاقولي وهبوط قائم (Vertical take off Landing).

وحالياً في ألمانيا ينطلق مشروعان من هذا النوع، الأول في مدينة كالسروه، بتدشين مشروع الفولوكوبتر، وهي طائرة بمقعدين مزودة بـ18 عنفة، تشبه لعب الأطفال «الأتاري»، وتمت صناعتها عام 2016 ونجحت تجربتها، ويتوقع بيع 10 إلى 20 ألف نسخة منها سنوياً خلال العقد القادم، والثمن التقديري للسيارة الواحدة منها في حدود 100 ألف يورو.

المكان الثاني هو جيلشينج، ويقوم عليه أربعة رواد متحمسون باسم مؤسسة طيران ليليوم.

كما وصلت فكرة «السيارة الطائرة» إلى مجموعة وادي السيليكون، فأسسوا مشروع «هافانا» برمز (A3) وستكون تجربتها مع نهاية عام 2017، وهم يعملون في جو من السرية والتكتم لوجود منافسات شديدة حالياً، ويقولون إن مشروعهم سيكون جاهزاً للانطلاق مع عام 2026.

وبالطبع نحن أمام اختراع بقوانين جديدة، فلا بد من تعديل قوانين السير حذفاً وإضافة، لمن يحلِّق فوق الغيوم، ويعتلي ظهر السحب!

وهكذا فالتكنولوجيا تتقدم، ومعها تتخلق ظروف أخلاقية جديدة وقوانين تناسبها.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.