.
.
.
.

الخلاف الهندي الصيني

ذكر الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

تتمتع الهند والصين بعلاقة اقتصادية متنامية على الرغم من النزاع الحدودي حول أجزاء تمتد 4.056 كم بطول الحدود، والتي لم يتم ترسيم أماكن عديدة منها حتى الآن. وفي حين أن الدولتين قد توصلتا إلى اتفاق في مطلع ثمانينيات القرن الماضي لفصل علاقاتهما الاقتصادية عن النزاع الحدودي، لا تزال هذه المنطقة الممتدة محل نزاع.

وقد برز هذا النزاع الحدودي مرة أخرى وازداد التوتر على المنطقة الحدودية الواقعة عند مفترق الطرق بين الصين ومملكة بوتان وولاية «سيكيم» التي تقع شمال شرق الهند. وتطلق بوتان والهند على هذه المنطقة اسم «هضبة دوكلام»، بينما تؤكد الصين أنها جزء من منطقة دونجلانج الخاصة بها. وتدعم الهند مطالب بوتان حول هذه المنطقة.

وقد أثيرت الأزمة الحالية، التي شهدت قيام الجانبين بزيادة قواتهما إلى 3000 جندي لكل منهما، الشهر الماضي عندما اعترض جنود هنود على قيام الجيش الصيني ببناء طريق في المنطقة. وعلى الرغم من أن هذه المنطقة ليست جزءاً من الهند ولا تطالب بها، إلا أن نيودلهي تؤكد أن حكومة بوتان طلبت منها التدخل في هذه المسألة. أما الصين فقد اتهمت الهند بالهجوم على أراضيها وهددت بأن العواقب ستكون وخيمة إذا لم تنسحب القوات الهندية. وعلى الرغم من أنها ليست جزءاً من الهند، إلا أن الهضبة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للأمن الهندي، حيث إن سيطرة بكين عليها من شأنها أن تسهل للقوات الصينية الوصول بيسر إلى شريط ضيق من الأراضي الهندية معروف باسم «عنق الدجاجة»، يربط الولايات الشمالية الشرقية في الهند بباقي البلاد. وقد أعربت نيودلهي عن قلقها العميق من أن يؤدي بناء الطريق الصيني المذكور إلى تغيير الوضع الحالي بشكل كبير مع وجود تداعيات أمنية خطيرة على الهند.

ويعد التوتر الحالي هو أطول أزمة بين العملاقين الآسيويين منذ الحرب التي نشبت بينهما عام 1962. لكنه مختلف هذه المرة، لأنه يحدث حول جزء من الحدود حيث لا يوجد في الواقع نزاع بين الهند والصين، والمنطقة ظلت سلمية حتى الآن. وأي من الدولتين ليست على استعداد للتراجع عن موقفها، مما يخلق مواجهات طويلة بينهما.

والأمر الجديد أيضاً في هذه الأزمة هو الخطاب الحاد الصادر عن كلتا الدولتين وسط تزايد النزعة القومية. وفي خضم كل هذا فإن بوتان، الدولة الصغيرة التي ليس لديها أي علاقات دبلوماسية مع الصين، تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، عالقةً بين الدولتين الكبريين المجاورتين لها.

ومن ناحية أخرى، فإن هذا النزاع الحدودي يعد مؤشراً على أنه بينما تنمو الهند والصين وتتطلعان إلى زيادة مجال نفوذهما، فإنهما تواجهان بعضهما البعض. وفي خطوة غير متوقعة، أصدرت الصين تحذيرات سفر تطالب مواطنيها بتوخي الحذر أثناء وجودهم في الهند، ما توج أسابيع من الخطاب الحاد الذي اشتمل على كلمات لمسؤولين بارزين يطالبون الهند بسحب قواتها دون قيد أو شرط. وعلى الرغم من أن الهند قد ذكرت أن بناء الطريق يجب أن يتوقف حتى تعود الأمور إلى الوضع السابق، إلا أن الخطاب في وسائل الإعلام الهندية والصينية ما زال حاداً للغاية.

ويضع الجانبان نصب أعينهما الدوائر الانتخابية المحلية. فقد عزز ناريندرا مودي صورته كزعيم سياسي قوي عندما وعد بالدفاع عن مصالح الهند وأمنها، عبر معاقبة كل من يلحقون الضرر بالهند. وقد أدى ذلك إلى وجود توقعات كبيرة في البلاد. وبالمثل، فإن الرئيس الصيني «شي جين بينج» يطمح إلى إعادة انتخابه ولا يمكن أن ينظر إليه باعتباره ليِّناً مع الهند. وكل هذا يعني أنه ما لم يتم تقديم تنازلات، فإن الأزمة ستستمر حتى تبدأ في التأثير على المنطقة ويتعين على كلا الجانبين اتخاذ قرار بالتراجع عن موقفهما.

ويأتي هذا التوتر في الوقت الذي تقاطع فيه الهند اجتماع منتدى بكين الدولي «طريق واحد وحزام واحد» في الصين، لأن قسماً من مشروع المعبر الاقتصادي الصيني الباكستاني يمر عبر مقاطعة كشمير المتنازع عليها بين نيودلهي وإسلام آباد. وسبق أن قام الزعيم التبتي «الدلاي لاما» بزيارة لولاية «اروناتشال براديش» التي تزعم الصين أنها ملكاً لها، وقد احتجت بكين بشدة على الزيارة. ومن جانبها، ما زالت الصين تعرقل عضوية الهند في «مجموعة موردي المواد النووية»، وحذّرت من تقارب الهند المتزايد مع اليابان والولايات المتحدة، والذي تعتقد بكين أنه محاولة لاحتواء نفوذها في المنطقة.

ويذكر أن الهند واليابان والصين بدأت هذا الأسبوع تدريبات مالابار السنوية في المحيط الهندي مع التركيز على الحرب المضادة للصواريخ. وقد أشار مقال في صحيفة «تشاينا ديلي» إلى أن تدريبات مالابار والتعاون الدفاعي الذي يتضمن قيام الولايات المتحدة ببيع طائرات نقل عسكرية وطائرات من دون طيار للمراقبة للهند، أثبت أن «الصين هي التي يجب أن تشعر بمخاوف أمنية، نظراً لأهمية المحيط الهندي بالنسبة لوارداتها التجارية والنفطية».

*نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.