.
.
.
.

دلالات طرد الكويت لدبلوماسيين إيرانيين

عبد الرحمن الحبيب

نشر في: آخر تحديث:

تابعنا الأسبوع الماضي إبلاغ الكويت رسمياً السفير الإيراني بقرار طرد عدد من الدبلوماسيين الإيرانيين، وإغلاق المكاتب الفنية التابعة للسفارة مثل ملحقيتها الثقافية ومكتبها العسكري، وتجميد نشاط اللجان المشتركة. فما هي تداعيات ذلك؟ وما مستقبل العلاقات الكويتية - الإيرانية؟

بعد سنوات من سياسة التهدئة والصبر الكويتي على محاولات إيران استهداف أمن الكويت، جاء هذا الإعلان الكويتي إثر صدور الحكم النهائي لمحكمة التمييز بإدانة ما سُمي «خلية العبدلي» التي بدأت قبل عامين بتوجيه النيابة العامة للمتهمين بالتخابر مع إيران وحزب الله، وارتكاب أفعال من شأنها المساس بوحدة وسلامة أراضي دولة الكويت.

مثل هذه الأعمال العدائية المدعومة عسكرياً وأيديولوجياً من الحرس الثوري الإيراني أصبحت معروفة على نطاق واسع سواء على مستوى العالم أو على مستوى المنطقة؛ فدول الخليج تكتشف باستمرار خلايا إرهابية مدعومة من إيران في البحرين والسعودية والإمارات. حتى الكويت عانت مراراً منها، لكن الآن دخلت العلاقة في مرحلة حرجة، فلأول مرة تتخذ الكويت هذا المستوى من الإجراءات مع أنها لم تصل لدرجة قطع العلاقات.

فما هي تداعيات ذلك؟ أهمها هو زيادة عزلة إيران دولياً، خاصة أنه يأتي متزامناً مع تقرير الخارجية الأمريكية الموجه للكونجرس الذي صدر الأسبوع الماضي واصفاً إيران بأنها الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم؛ والأسبوع الذي قبله صدر مزيد من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران مما يزيد من تردد الشركات الأجنبية في الاستثمار بإيران بسبب كثرة العقوبات عليها.

وعلى مستوى المنطقة تأتي الإجراءات الكويتية لتفاقم العزلة الإيرانية، فأغلب دول الخليج إما مقاطعة أو خافضة لتمثيلها الدبلوماسي، وكذلك نصف الدول العربية والإسلامية. ولا ننس أنه قبل سنة ونصف، في البيان الختامي للقمة الإسلامية التي عقدت باسطنبول، وجهت انتقادات علنية، لأول مرة، ضد إيران نتيجة تدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية، مما دعا الرئيس الإيراني لمغادرة الجلسة الختامية..

ما الذي يجعل الكويت تطيل صبرها على الأعمال العدائية من النظام الإيراني؟ هناك تفويض من دول مجلس التعاوني الخليجي للكويت بفتح حوار مع إيران لمحاولة بناء أرضية مشتركة تقوم على مبادئ احترام حسن الجوار وعدم التدخل بشؤون الآخرين، وعلاقات تقوم على المصالح المشتركة تعود بالخير على دول المنطقة. وسبق أن عقدت لقاءات كويتية إيرانية، أعلنت خلالها إيران الموافقة على هذه المبادئ، وأعطت تطمينات خطية من قبل قيادتها لكن أعمالها على الأرض تشهد عكس ذلك. لذا فإنه بعد الاعتداء على السفارة السعودية في طهران من قبل الإيرانيين، وقطع السعودية (ومعها البحرين) لعلاقاتها مع إيران في يناير 2016، فإن الكويت تضامنت مع السعودية وسحبت سفيرها الكويتي في إيران، والموجود حالياً هو قائم بأعمال السفارة، وكذلك فعلت الإمارات العربية المتحدة.

أما السبب الذي يجعل الكويت وسيطاً مفضلاً فهو موقعها الجيوسياسي بين ثلاث دول كبرى: السعودية وهي تمثل الشقيق العضيد والعمق الاستراتيجي للكويت، والعراق الذي يمثل جاراً شقيقاً يعاني من عدم استقرار، وإيران كبلد مجاور لديه مطامع تحاول الكويت احتواءه.. يقول أستاذ العلوم السياسية الكويتي د. عبد الله الشايجي: «الكويت تلعب دور (التوازن الصعب) الذي يتمثل بعلاقة طبيعية مع إيران، واحتواء مع العراق، وعلاقة وطيدة مع السعودية.. وسعت الكويت أن تكون حلقة الوصل، التي تمثل دول مجلس التعاون الخليجي وتعلب دور الوساطة مع إيران.. [لكن] الأزمة الحالية تكشف المعضلة الأمنية التي نواجهها مع إيران، وتثبت الخلية الإرهابية صعوبة ذلك..».

السؤال الآن: هل يمكن أن تقطع الكويت علاقتها مع إيران؟ لقد مرت العلاقات بين البلدين بتجاذبات حادة، وعانت الكويت من محاولات التخريب الإيراني، لكنها لا تريد قطع «شعرة معاوية» كما يُكرر دوماً، بحكم الأسباب التي أشير إليها. فحتى في أحلك الأوقات التي كانت فيه التصرفات الإيرانية أسوأ مما هي عليه الآن، مثل الاعتداء على موكب أمير الكويت ومحاولة اغتياله عام 1985، لم تأخذ الأمور مستوى القطيعة الكاملة. وإلى وقت قريب عام 2010 أعلن اكتشاف شبكة تجسس إيرانية بالكويت أعقبها أحكام بالسجن المؤبد على أربعة أشخاص، وجرى الحديث حينها عن أنها شبكة من ثماني شبكات تجسس، عملت بإشراف الحرس الثوري الإيراني.

إيران تعاني من إشكالية هيكلية في بنية نظامها، فدستورها يتبنى تصدير الثورة والتدخل في شؤون الآخرين، الذي يجعل من حكامها قادة ثورة وليسوا قادة دولة.. وإيران بها مليشيات فوق الدولة كالحرس الثوري، تشكل أقوى مؤسسات الحُكم مع ولاية الفقيه.. وإيران بها مؤسسات اقتصادية تمارس غسل الأموال وتمويل الإرهاب حتى بعد وثيقة «الاتفاق النووي» بشهادة المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، حسب تقرير «فريق العمل المعني بالعمليات المالية» في فبراير 2016 الذي أوضح أن «الواقع يناقض التصريحات الإيرانية» بمكافحتها لغسل الأموال، وجهودها بإيقاف دعم الإرهاب..

وإلى أن يحين ظهور قادة دولة إصلاحيين فعليين في إيران، يرغبون بسلام مع الجيران والمجتمع الدولي، والتركيز على التنمية الداخلية للإيرانيين لصالحهم وصالح شعوب المنطقة، فإن منطقة الخليج ستستمر فيها التوتر، وستستمر العزلة الإيرانية في التصاعد..

* نقلا عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.