.
.
.
.

"شهر في الاتحاد السوفياتي" لمورافيا: النظرة المشاكسة

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

في الفترة التي زار فيها الكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا، الاتحاد السوفياتي، كانت العادة «الثقافية النخبوية» قد جرت على أن تتوجه الى تلك البلاد أعداد كبيرة من كتاب ومفكرين وفنانين آتين من أنحاء العالم كافة، وقد أغراهم واجتذبهم واقع أن «بلد الاشتراكية الكبير» قد تخلص من الستالينية وها هو زعيمه الجديد، خروتشيف، «المنفتح على العالم والعصر» و «الفاضح الممارسات الستالينية»، يدلي بدلوه العاصف عبر تقريره الى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي. كانت الأمور تبدو ملهمة وواعدة، لكن المشكلة كمنت في أن العدد الأكبر من الزوار الأجانب كانوا يعودون بانطباعات سلبية أخذت تكوّن بالتدريج صورة مفادها بأن لا شيء قد تغيّر حقاً. والطريف اللافت هو أنه كلما كان الزائر أكثر «شيوعية»، كانت الصورة تبدو بقلمه أكثر قتامة. ولعلنا لن نكون في حاجة هنا الى القول مع بعض المؤرخين الإنكليز ومن بينهم فرانسيس سامرز في كتاب «من يدفع أجر الزمار»، إن في تلك الأوساط تحديداً كانت الأجهزة التابعة للسي. آي. إي. تصطاد من باتوا «شيوعيين سابقين» ليكملوا مهمتها في المحاربة الفكرية للشيوعية والتي ستكون بيروت واحداً من مراكزها، لكن هذه حكاية أخرى. حكايتنا هنا عن ألبرتو مورافيا.

> فهذا الكاتب الإيطالي الذي كان في حينه واحداً من الروائيين الأكثر شعبية في العالم، لم يكن شيوعياً. ومع هذا أتى الكتاب الذي وضعه عن رحلته الى بلاد السوفيات بعنوان «شهر في الاتحاد السوفياتي» واحداً من أكثر الكتب إنصافاً للبلد الذي زاره واستقبله بكل ترحاب. فعلى عكس المؤدلجين، من شيوعيين وغيرهم، تمكن مورافيا في ذلك الحين وخلال شهر قضاه في موسكو ولينينغراد وغيرهما، من تلمّس أكبر قدر من الإيجابيات الممكنة. أدرك حجم التغيّرات الهائلة التي حصلت. ولسوف يبدو في كل صفحة من كتابه أنه لم يأت الى هنا بأفكار مسبقة، بل أتى ليلاحظ ويتعلم ويتعرف. وهو على هذا النحو أكد يومها نزاهته المعهودة على عكس أطنان من مفكرين راحوا هناك ليثبتوا أفكاراً كانوا قد تزودوا بها مسبقاً. وهكذا نراه يتوجه بنا الى لينينغراد ليزور الأمكنة التي عاش فيها دوستويفسكي وبطله راسكولنيكوف، والى موسكو في ركاب الجماهير التي تتدفق لزيارة قبر لينين، والى دير تويزكي حيث شاهد «بأم عينيه» «احتضار الأورثوذكسية الروسية» ثم عرّج علي تبليسي في جورجيا وعلى يريفان، ليصف ما يشاهده بكل موضوعية. والحقيقة أن ما شاهده كان حافلاً بإيجابيات أبدى دهشته إزاء زملاء أوروبيين له، «لم يتمكنوا من رؤيتها» أو بالأحرى «لم يشاؤوا رؤيتها».

> لكن مورافيا لم يتجول هناك وهو مغمض العينين، بل كان مدركاً حجم السلبيات لكنه عرف كيف يقيس ذلك كله بميزان دقيق. فهو، مثلاً، حين يتحدث عن «الثورة الصناعية» التي تحققت «في أزمان قياسية نسبياً» يخبرنا، ولا سيما بعد زيارته المصانع السوفياتية حتى في مناطق «نائية» في أوزبكستان، بأن تلك الثورة تحققت «على رغم كل شيء بأفضل كثيراً وبأقل كلفة إنسانية مما حدث مع الثورة الصناعية في الغرب الأوروبي». غير أن هذا لم يمنع كاتبنا من أن يؤكد ان ما صدمه مقابل ذلك كله، هو ان نمط الحياة حتى في زوايا كثيرة من المدن، لا يزال على الحال التي كان عليها في القرن السابق، قائلاً أن ضروب التقدم التي حدثت في العديد من المجالات، لا يمكنها أن تبرر ذلك التخلف على صعيد الحياة الاجتماعية.

> والحقيقة أن ذلك النص في مجمله جاء يومها متوازناً، ناهيك بمشاكسته على نظرة غربية بدت فاقعة ولا سيما، وكما أشرنا، حين عبر عنها شيوعيون. مهما يكن، نشير هنا الى أن مورافيا كان متوازناً على الدوام هو الذي حين سئل مرة أواخر حياته عما إذا كان نادماً على شيء في تلك الحياة رد قائلاً: «لا، أنا لست نادماً على شيء، وذلك بكل بساطة لأن كل حياة انما تساوي أي حياة أخرى، وأيضاً لأن بإمكاننا ان نرى في نهاية المطاف ان كل الحيوات انما هي حيوات مخففة. الحياة ليست سوى عدم كبير لا يمكننا ان نخرج منه إلا ببعض بقايا نظام غامضة وشديدة السرية». ومع ذلك، حين سئل مورافيا عن الكيفية التي سيكون عليها عالم المستقبل، في رأيه، أجاب «أنا، في نهاية الأمر، متفائل».
> قال مورافيا: «في الأمس فقط، كان الناس يمتشقون السيوف ويرتدون الشعر المستعار على رؤوسهم ويمتطون الأحصنة. وإنني لأعتقد أن الإنسانية بالكاد خرجت حديثاً من طفولتها. وهي اليوم، لذلك، تعيش مرحلة المراهقة. أما مستقبلها فما هو إلا مستقبل العلم والتطبيقات التكنولوجية التي لا يزال في وسعها ان تقلب العالم رأساً على عقب».

> هذه الحيوية الجدلية، وهذه البساطة في التعبير لم تطبعا، فقط، ما كان ألبرتو مورافيا يصرح به في آخر أيامه، بل طبعتا كذلك أدبه كله، ما جعل لأدبه شعبية لم تضاهها شعبية أي أديب أوروبي آخر في طول القرن العشرين وعرضه. وحتى لئن كانت شعبية أدب كاتب ايطاليا الكبير قد جعلت دهاقنة جائزة نوبل يغضون الطرف عنه دائماً، فإن الباحثين المعمقين في الأدب لم يفتهم أبداً ان يدركوا كم ان البساطة التي تطبع رواياته وقصصه كانت من النوع الخادع. إذ غالباً ما كانت الحياة بأعماقها تلوح ظاهرة من خلال أدب كان يبدو للوهلة الأولى سطحياً، او على الأقل، ميبلودرامياً في ملامسته لمواضيعه.

> من هنا كان شعار باحثي أدب ألبرتو مورافيا على الدوام يتلخص في عبارة تقول: «لكنه، بعد كل شيء، ليس الكاتب الذي تعتقدون». ألبرتو مورافيا الذي رحل عن عالمنا في العام 1990، ولد العام 1907 في مدينة روما، وعرف الشهرة باكراً وبشكل مفاجئ منذ روايته الكبيرة الأولى «اللامبالون» التي نشرها وهو في الثانية والعشرين من عمره، ولكنها لم تكن، مع ذلك، عمله الأول، اذ كان قد نشر قبلها مجموعة شعرية بعنوان «18 قصيدة» يقال كتبها حين كان في الثالثة عشرة من عمره. ومورافيا يقول لنا عن صباه انه انطبع بداءين أصاباه وهو بعد في أولى سنوات وعيه: داء السل العظمي الذي أصابه يافعاً واضطره للمكوث سنوات طويلة في مصحات التيرول عاجزاً عن الحركة، والفاشية التي بدأت تغزو ايطاليا منذ العشرينات وتحاول ان تحطم لها روحها. ومن الواضح ان وعي مورافيا (وكان اسمه الحقيقي بينكرلي) قد اكتمل عبر رد فعله على ذينك الداءين، ما جعل كل أدبه التالي يكتب كرد فعل على صدمهما الجسد والروح. والحال ان الشغل الشاغل لمورافيا طوال حياته الأدبية كان الرد على تينك الصدمتين المبكرتين. النجاح الذي كان من نصيب «اللامبالين» شجع مورافيا على الإمعان في الكتابة، فراح يصدر طوال سنوات الثلاثين والأربعين كتبه التالية بادئاً بـ «الطموحات الخائبة» و «تربيع الأقنعة» وصولاً الى «الحياة الجميلة» (1935).

> ليس من اليسير بالطبع إحصاء كل ما كتبه مورافيا، ولكن تمكن الإشارة الى أبرز أعماله، ومنها ما نقلته السينما ومعظمه ترجم الى شتى لغات العالم ومنها اللغة العربية بالطبع، ومن تلك الأعمال: «العصيان» و «الحب الزوجي» و «امرأة من روما» ثم بخاصة «اللاممتثل» التي نقلها السينمائي برناردو برتولوتشي الى فيلم حمل نفس الاسم ويعتبر من أجمل إنتاجات السينما الايطالية، وهناك أيضاً «امرأتان» الرواية التي حولها دي سيكا الى فيلم متميز، و «حكايات رومانية» ثم «الاحتقار» التي كانت من أفضل أفلام جان - لوك غودار، و «السأم» وغيرها. وإضافة الى رواياته تمرس مورافيا في أدب الرحلات، ويشهد على هذا بالطبع «شهر في الاتحاد السوفياتي» الذي نتحدث عنه هنا والذي يبقى واحداً من أجمل الكتب التي وضعت عن هذا البلد حينها. كما أنه تدخل في القضايا السياسية وأمضى آخر سنوات حياته يناضل في سبيل البيئة وضد انتشار السلاح النووي، هو الذي غلب على شخصيات أدبه طابع اللامبالاة والحياد السلبي والرغبة المخبوءة في تدمير العالم وصياغة علاقات لا تستجيب للنظم الاجتماعية. ومن هنا لم يكن غريباً ان يقول عنه ناقد انكليزي كبير: «إن مورافيا صاحب أدب وجودي عبثي، روعته أن وجوديته وعبثيته لا تظهران إلا للمنقبين بدقة».

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.