معضلة قطر وحالة تضخم الذات

بدر عبد الملك
بدر عبد الملك
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

يتوجب علينا قبل الدخول في الحديث عن تفاصيل محور قناة الجزيرة من الداخل، فلا بد من التوقف حول الظرف التاريخي والاحتياجات السياسية للقوى العالمية في مرحلة مهمة وحساسة عالميًا، وقد تطرقنا لها على عجالة وبمسح سريع عبر فقرات قليلة، ولكن الالمام الشامل لولادة الجزيرة وفق أي ظرف مهم للغاية، حيث تتضح اهمية قطر في هندسة تصميم الادوار والامكنة لما بعد مرحلة 98 -91 مع انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي وتصدعه بالكامل، ومن الضروري مواصلة تفكيك البلقان وآسيا الوسطى واعادة ترتيب خرائط دول رمادية وقادمة في الشرق الاوسط، فتلك من نتائج انتهاء المرحلة والتاريخ في الصراع العالمي بين القطبين.

اقتسام العالم وإعادة اقتسامه كانت من سمات ونتائج الحروب، ولكن ما حدث من انهيار عالمي كان بحاجة لظاهرة وحالة بوزن وثقل الحربين العالميتين، فما عادت اوروبا تحتمل حربًا ثالثة نتيجة الترسانة العسكرية فيها، فلا بد من حروب محدودة اقليمية تقلب كيانات المنطقة وانظمتها سياسيًا، فجاءت حرب الكويت وغزو صدام للكويت وتورطه قبل الكويت ايضا بين ايران والعراق في حرب اقليمية مدمرة، تلتها بعد عقد ونصف السقوط المروع للعراق وتفكك دولته في غضون شهور.

كان المشروع الوليد، ما زال في الادراج وبين الكواليس يراوح في مكانه، يخرج رأسه من بين الاوراق، وهو مشروع الشرق الاوسط الجديد، والذي جاء مع اتفاقية مدريد واوسلو، وبأن المنطقة اتعبتها الحروب وبحاجة الى التنمية والاستقرار، وان اتفاقيات السلام لا بد منها بين العرب واسرائيل.

من عام 1990- 1994، كانت ايران والاتجاهات الاسلامية والانظمة الراديكالية كالعراق وسوريا وليبيا تتزعم معارضة مشروع السلام الواسع بافاقه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، كما كانت راديكالية اليسار في السبعينات وانظمتها التي تبخرت، فيما صعدت للمنطقة مرحلة جديدة للاسلام السياسي، تتحرك من خلفه احزاب ودول وميليشيات وطوائف.

في هذه الاجواء العالمية والاقليمية والمتغيرات الكبرى، بات الجميع يرتب اوراقه لمرحلة ما بعد الثنائية القطبية وانتهاء مرحلتها التاريخية العظمى 1917 - 1989، وبدأنا ندخل في مصطلحات وقيم واطروحات جديدة، كحقوق الانسان، والتعددية السياسية والديمقراطية، وتداول السلطة سلميًا، وتحولت نظريات من نمط نهاية التاريخ لفوكو ياما الامريكي من اصول يابانية، وصراع الحضارات لصمويل هانتغنتون، مثار جدل ونقاش في المنتديات العالمية، وفي ذات الوقت، كانت تتوازى مع تلك المتغيرات الكبرى ولادة عصر التكتلات القادمة، وعولمة الثقافة والثورة المعلوماتية كجزء من مرحلة الثورة المعرفية كمقدمات اولية للدخول والاستعدادت للالفية الثالثة كعصر له سماته وملامحه الجديدة المختلفة عن جوهر القرن المنصرم.

كانت القوى الكبرى وخاصة الاستعمارية القديمة في المنطقة، بحاجة للعودة والسيطرة على مناطق الثروة، ولكن عن طريق التفتيت والمؤثرات الناعمة، فكان الفضاء المفتوح بزمن الفضائيات والتقنيات المتقدمة منصة جديدة للوثوب على آخر ما تبقى من بقايا القرن العجوز المنصرم.

اكتشف صنَّاع القرار في الغرب وامريكا بالتعاون مع الانظمة في كل مكان على اهمية تمكين الشعوب المتخلفة، التي عاشت الشمولية باهمية التدرج عبر صناديق الاقتراع والانتخابات، وسيكون للفضائيات «المستقلة ظاهريًا» دورًا بارزًا في تشكيل وعيه وافكاره وتوجهاته، فهناك نسبة هائلة في الوطن العربي من الجيل الشاب يناهزون 70 في المئة من السكان هم بحاجة الى قنوات فضائية غير رسمية والى خطاب اعلامي جديد، حيث ظلت كل محطات التلفاز الارضية والفضائية رسمية، مكبلة مرتجفة من التغيير والخوف من مواجهة واقع ان مواطنيهم لا يستمعون لاذاعاتهم ولا يشاهدون قنواتهم، بقدر ما يستمعون لمونتي كارلو والبي بي سي. ثم وجدوا في محطات تلفازية كالسي إن إن ملاذهم الجديد.

كانت الانظمة الاستعمارية علاقاتها رطبة ومواربة مع الانظمة، ولكنها من خلف الكواليس والصحافة تحرض ضدها وتستقبل كل انواع المعارضات وتحرضها وتدربها، المهم ان تصبح واحة للحريات والديمقراطية.

بعد الانتهاء من البلقان كان العالم العربي في الشرق الاوسط بحاجة لتثوير اعلامي بمستوى المتغير العالمي في المنطقة، وكان يومها موضوع ومقولة الخصصة تلهج بها الانظمة والبحث عن الاقتصاد الثالث كشريك مهم في التنمية وبضرورة ان تلعب الطبقة الوسطى دورًا تاريخيًا وسياسيًا ينسجم مع ثقلها ودورها الاقتصادي المنشود، فكانت خصصة الاعلام والفضائيات مشروعًا مهمًا وذراعًا اساسيًا لتربة خصبة استثماريًا وسياسيًا، في بلدان كانت شعوبها محتقنة بالكبت السياسي والفساد والبيروقراطية والجمود والبطالة، تلك الشعوب بوعاء فارغ من الوعي، كان من السهل ان تستقبل اي اعلام وخطاب مثير يدغدغ احلامها وينتشلها من واقعها، فجاءت قناة الجزيرة لتلعب ذلك الدور وتحتل تلك المساحة الغائبة من الحريات، من أجل الاهداف الكبرى للتغيير، فهي ليست ولم تكن من ضمن أحلام حكومة قطر إلا من زاوية اللاعب الخفي.

* نقلا عن "الأيام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط