.
.
.
.

«بوراسا» في مونتريال

خالص جلبي

نشر في: آخر تحديث:

أسماء كثيرة تحفل بها شوارع مدينة مونتريال، لكن ما لفت نظري فيها ذلك الشارع الممتد عبر عرض الجزيرة. إنه شارع «هنري بوراسا»، فمن هو هذا الرجل الذي يحمل أكبر شارع في المدينة اسمه؟

مونتريال جزيرة يطوقها نهر «سان لوران»، وهي تحتفل هذه الأيام بالذكرى الـ350 لقيامها.

لقد ربح الفقراء الأوروبيون كنوزاً هائلة، فامتلكوا أربع قارات، أي أكبر من مساحة القمر، ووضعوا في جيوبهم ثمانية قروش من كل تسعة قروش في العالم، وامتلكوا البحار وهيمنوا على الثروة العالمية، وتحول التاريخ إلى المحيط الأطلسي.

الأمم العظيمة تخلد شوارعها بمن بناها، وساهم في بنائها فكرياً وثقافياً ودستورياً.

تعبر المدينة من غربها إلى شرقها بوساطة الشارع السريع 40 «ألفريد نوبل» أو الشارع السريع 20 «هنري بوراسا»، وفي الميترو تقرأ اسم محطة «هنري بوانكاريه»، ومحطة «وايلد بنفيلد».

أما «ألفريد نوبل» فهو أبو الديناميت، كما هو حال «كالاشينكوف» في صناعة السلاح الروسي، وكلا الرجلين تابا واعترفا بالمصائب التي نجمت عن اختراعيهما.

أما محطة «هنري بوانكاريه» فهي تخليد للرجل الذي طور النظرية النسبية وأنتج النسبية الخاصة.

ويبقى أن نذكر أن الطبيب «بنفيلد» هو من وضع جغرافية الدماغ للمرة الأولى، كما حصل مع ماجلان في كشف جغرافية الأرض.

وعودة لهنري بوراسا فهو ابن لوالد رسام بارع، وحفيد لثوري متمرد من أبطال ثورة عام 1837 ضد حكم الأقلية البريطانية، الثورة التي اندلعت في شمال كندا، كجزء من سلسلة ثورات الأطلسي. بدأ مشواره السياسي برئاسة بلدية «مونتيبلو» عام 1890 ليدخل البرلمان ويعترض على تورط حكومة بلاده في حرب البوير بجنوب أفريقيا وفي الحرب العالمية الأولى.

أسس «بوراسا» جريدة النخبة باسم «لو دوفوار» (الواجب) وشعارها: «تصرف بما يمليه عليك ضميرك» (fais ce que dois) واستمر في رئاسة تحريرها حتى عام 1932.

خسر الرجل زوجته عام 1919 في أعظم محنة واجهته، لكنه تابع نشاطه السياسي في ثلاثة محاور: علاقة كندا بالولايات المتحدة، مكانة اللغة الفرنسية في مواجهة هيمنة الثقافة الإنجليزية، ثم القيم الموجهة للاقتصاد حيث كان مناهضاً لجشع الشركات الكبرى.

وحين أنشئت البحرية الكندية عام 1910 لتكون تحت قيادة بريطانية، أنكر بوراسا الأمر، وكان يكرر: الحرب يقررها البرلمان وليس الحكومة. وكان يردد: لا نريد أمركة كندا، فهي هذا المزيج الرائع بين ثقافة أوروبا وسعة أميركا.

وفي عام 1914 خاضت كندا الحرب العالمية الأولى، فأرسلت 600 ألف جندي لتخسر منهم في الأرض الأوروبية ستين ألفاً، يخلدهم حالياً نصب «فيمي» (Vimy) على الحدود البلجيكية الفرنسية.

كان هنري بوراسا ضد مشروع الحرب كليةً، الحرب التي قادتها حكومة المحافظين برئاسة «روبرت بوردن».

وشن بوراسا حملة ضد تحالف الكنيسة مع رجال الأعمال، وهي قصة قديمة جديدة من تحالف هامان وقارون وفرعون. كان الرجل أخلاقياً عميق الإيمان، يرفض تقديم الثروات على عبادة الله، مذكراً بقول المسيح: لا يمكن أن تخدم سيدين، الله والمال. ورأى أن الأفضل للاقتصاد أن يدار بشركات صغيرة من 5 إلى 10 عمال وليس على طراز الرأسمالية المتوحشة.

توفي هنري بوراسا في ليلة عيد ميلاده في 31 أغسطس 1952، عن 83 عاماً. أفلا يستحق أن يخلده شارع في عاصمة بلده؟ لذا فكم من المهاجرين حين يمر من الشارع يتوقف ليسأل: من كان هذا الرجل؟

مَن يهاجر إلى كندا عليه أن يهضم تاريخها، ليعرف القيم التي ناضل من أجلها الكنديون، فكندا بلد الهجرة الإنسانية بامتياز.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.