.
.
.
.

ترمب وبانون والحبال الثلاثة!

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

من يعتقد أن الرئيس ترمب يمضي وقته في التغريد لا يرى المشهد الحقيقي، وهو أنه يمشي بحذر على حبال مشدودة ومحاط بخليط من الأعداء الذين يهزونها لإسقاطه.

واحد من هذه الحبال الأكثر خطورة هو الحركة القومية الأميركية الداخلية. هذه الحركة كان لها دور كبير في إيصاله للبيت الأبيض. استطاع بذكاء أن يصعد على غضبها الذي تصاعد خلال ٨ سنوات من حكم الرئيس أوباما. جنّ جنون هذه القاعدة البيضاء بعد فوزه، وفي خطاب التنصيب بدا كأنه رئيس شعبوي من العالم الثالث ولكنه كان مصيباً كرجل سياسة يعرف من يخاطب تحديداً،. شكرها لأنها أوصلته وردد على مسامعها "أميركا أولاً.. أميركا أولاً"، الشعار الحماسي الذي وحدها خلفه.

يفكر الرئيس ترمب بهذه القاعدة الانتخابية المؤثرة، ولكن هذا الحبل قد يتسبب لها بمشاكل غير متوقعة. مؤخراً تعرض للانتقاد لقوله إن هناك أشخاصاً جيدين كانوا مع المتطرفين مع الحركة البيضاء العنصرية التي تظاهرت في تشارلوتسفيل بولاية فرجينيا، وقام أحد أفرادها بعملية دهس راح ضحيتها امرأة أميركية.

الواقع أن ترمب ألقى في البداية خطاباً جيداً ندد بهذه الجماعات العنصرية، ولكنه ظهر في مؤتمر صحافي بعده بيوم وارتكب هذه الهفوة. لكن في عقل ترمب لم تكن هفوة، لأنه يفكر في شعبيته ولا يريد أن يفهم أنه يتهم بعض مناصريه بالعنصرية. على الأرجح أنه شعر أن خطابه الأول قد يفسر على هذا النحو ويؤثر عليه، لهذا حاول أن يتدارك وهاجم اليسار الذي يعاني فعلياً من حالة من العصيان والتعصب غير مسبوقة. قال ناقدوه إن هذا الوقت غير مناسب لمهاجمة الجماعات اليسارية، وشن عليه الإعلام هجوماً وصفه بالعنصري، ولكن هذه الانتقادات والاتهامات آخر ما يفكر فيه. أراد أن يقول لجماهيره مازلت رجلكم في البيت الأبيض. رجل صريح يقول الحقائق المحرجة المكروه سماعها، والتي يتجنب الساسة قولها خوفاً من الإعلام المتصيد والجماهير المحتقنة.

من أجل هذه القاعدة يضع ترمب بذكاء قدميه على حافة الهاوية لإرضائها. هكذا كان مع إعلانه خلال حملته الانتخابية منع كل المسلمين من دخول الولايات المتحدة الأميركية قبل أن تتحول إلى مواطني ٧ دول. وكذلك بالطبع حديثه عن الجدار العازل، والحرب الشرسة على الإرهابيين والمهاجرين غير الشرعيين.

ولكن هناك رجل واحد كان له دور مهم في تجييش مثل هذه القاعدة البيضاء، وهو ستيف بانون الذي غادر منصبه مؤخراً. ربما يشكل خروجه قراراً خاطئاً سيندم عليه ترمب مستقبلاً. مايكل فلين مستشار الأمن القومي السابق ارتكب خطأ وكان عليه أن يغادر، وكان قائداً عسكرياً ومقاتلاً شرساً، ولكن لم يكن رجلاً تحريضياً يحرك الجماهير الأميركية، ويضغط الأزرار النفسية التي تهيجها مثل بانون الخطير.

سيُقرأ خروج بانون على أنه تخلٍّ عن الجماهير التي أوصلته للبيت الأبيض، ورسالتها التي تهدف لتحطيم المؤسسة السياسية بشقيها الجمهوري والديمقراطي وكسر التقاليد البالية. وعلى الرغم من أن حديثاً دار بين ترمب وبانون قبل الإقالة وعده الأخير بأنه سيدافع عنه ويهاجم النخبة والمؤسسة، إلا أن أول حوار مع بانون بعد الاستقالة في مجلة "ذا ويكلي ستاندرد" أعلن فيها "موت رئاسة ترمب التي قاتلوا في الانتخابات من أجلها"، وانتقد في موقعه المشهور "بريتبارت نيوز" الذي عاد ليقوده كرئيس تحرير خطة ترمب لإبقاء عدد أكبر من القوات في أفغانستان (بالطبع تحليله خاطئ ولكنه يفكر داخلياً. في أميركا الداخلية فقط).

خروج بانون خسارة لترمب، ولكن الرئيس أيضاً رجل جماهير من الدرجة الأولى، ويعرف كيف يثيرها ويوحدها، ولكن بالتأكيد خسر رجلاً مؤثراً ومهماً. ولكن لترمب أسبابه أيضاً التي تفسر خطوته وهو يعبر عن الحبل الثاني المشدود الخطير الذي يمشي عليه.

شن الإعلام الليبرالي اليساري حملة ضارية على بانون، ووصف بالعنصري والشيطان، وحاولوا الإيقاع بينه وبين رئيسه بالقول إنه هو من يحكم أميركا ويدير البيت الأبيض. كلها كانت ادعاءات مغلوطة ومحاولات فاشلة، ولكن الصراع الحقيقي كان داخل البيت الأبيض بين بانون وأعضاء من داخل إدارة ترمب، وتحديداً مستشار الأمن القومي مكاماستر وصهر ترمب كوشنر وابنته إيفانكا. الصراع بينهم فكري وأيديولوجي وخلاف عميق في طريقة العمل. الثلاثة يفكرون بطريقة محافظة مع مسحة ليبرالية على عكس بانون القومي المندفع. الثلاثة يؤمنون بالتعاون مع المؤسسة الجمهورية التقليدية والتواصل مع الديمقراطية، وبانون يحتقرها ويُؤْمِن بتحطيمها واستبدالها. في النهاية انتصر فريق الصهر والابنة على بانون. ترمب أدرك بشكل واضح وبعد الفشل الذريع لاستبدال "أوباما كير" بأن عليه إذا أراد أن يحقق بعض الإنجازات التي وعد بها ناخبيه أن يقدم تنازلات للجمهوريين المخضرمين ويطلب منهم المساعدة. إبعاد بانون الذي يشتمهم رسالة للتقارب معهم. ولكن لا هؤلاء الجمهوريون ولا إيفانكا وزوجها قادرون على تحريك الجماهير مثلما يفعل بانون وخطابه الملتهب. ولكن ترمب فكر على هذا النحو: المهم الإنجازات الآن بالتعاون مع المؤسسة التي سخر منها سابقاً، ومهمة تثوير الجماهير ستقع على كاهله!

هذا يقودنا إلى الحبل الثالث المشدود الذي يمشي عليه ترمب، وهو حبل الحزب الجمهوري الذي تخلى من أجله عن أمهر رجاله. لكن هذا الحزب الذي فشل مرتين في إسقاط أوباما احتقر مرشحه ترمب في البداية، وركض خلفه حينما فاز في الرئاسة. علاقة متأزمة ومتوترة تختلط فيها الكراهية العميقة والحب الظاهري والمصلحة المتبادلة. أكثر من يوجه شتائم لئيمة لترمب ليس الديمقراطيين واليسار، بل الجمهوريون الذين يعتقدون أنه اختطف حزبهم وتفّهه ودمره من أجل مصالحه وأنانيته. وأكبر الخيانات له أتت من العجوز ماكين الذي طعنه من الخلف حينما صوت بشكل مفاجئ بإفشال مشروعه لإسقاط أوباما كير. ولكن ترمب عض على لسانه وعاد للتعاون مع الحزب الذي لا يثق فيه، لأنه المنفذ الوحيد له لتحقيق أي تقدم داخلي. ولكنه بذات الوقت لا يريد أن يظهر بأعين مناصريه بالجمهوري التقليدي بل بالزعيم محرك الراكد الذي لا يهمه غضب النخبة الفاسدة، وهذا ما يفهمه ترمب ويفعله مراراً. عليه أن يمشي بحذر. لا يريد أن ينفصل عن الجماهير، ولا يريد بذات الوقت أن يخسر من بأيديهم مفاتيح الإنجازات.

هذه الحبال الثلاثة المشدودة الخطيرة وليس الإعلام الذي يعتبر المعركة الأسهل لترمب. حرب واضحة وأعداء واضحون. يريدون الخلاص منه بأسرع وقت أو إنهاكه حتى يصبح صيداً سهلاً في الانتخابات القادمة أمام المنافس الديمقراطي، وهو يستغل هجومهم عليه لزيادة شعبيته. ولهذا لا يكبح ترمب لكماته رداً على حربهم، ويزيد العيار بتصريحات وتغريدات مثيرة للجدل. كلما صلبوه على الشاشات الليبرالية زادت مكانته ومحبته في القلوب والعقول المحافظة التي تراه رسولها ومنقذها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.