.
.
.
.

نصر الله يقدم أوراق اعتماده لدى النظام السوري

سوسن مهنا

نشر في: آخر تحديث:

عود على بدء، من الصعب على أي حزب أو أيديولوجيا أو ميليشيات أو نظام خارجي، أن يبتلع لبنان ويصهره داخل بوتقته، ذلك أن هذا البلد خليط عجيب في تركيبته الاجتماعية وانتماءات أفراده الداخلية وامتداداتهم وعلاقتهم الخارجية عبر السنين قد كونت فكراً مستقلاً لكل جماعة على حدة، ونظرة إلى هذا الوطن مختلفة عن الآخر، إذاً لا تلتقي زعيماً سياسياً أو اقطاعياً إلا وكان يوما متنفذاً، وله تواصل مع دولة أجنبية ومدعوماً من تلك الدولة، وعلى هذا الأساس تأسس هذا البلد الأعجوبة، لهذا يتألف لبنان من ثقافات مختلطة، وهو بهذا الحال فسيفساء اجتماعية تعيش جنب بعضها بعضاً لكنها لا تنصهر، هنا معضلة "حزب الله" الكبيرة، بل كل حزب وميليشيات سبقت حزب الله إلى هذا البلد، والأمثلة كثيرة، حاولت أحزاب أن تأخذ البلد إلى دويلتها ولكنها ما لبثت أن استسلمت وعادت وندمت ودخلت ضمن النسيج اللبناني.

إطلالات أمين عام "حزب الله" المتتالية وارتفاع نبرات صوته ليست للداخل بقدر ما هي للخارج، إنه بهذا يريد أن يقول إنني لا زلت المنتصر والحاكم الأول في لبنان مع أن كل المؤشرات لا توحي بذلك، ما يرهق حزب الله ويقلقه كثيراً هو استعادة النظام السوري بعضاً من شرعيته أمام أعين العالم وهو بهذا يفقد وهجه في سوريا ويعود إلى لبنان مكبلاً أولًا أمام جمهوره الذي قدم الكثير من الدماء والشباب في سوريا، وهو لا يملك إلا انتصار الجرود الجرداء، وثانياً أمام الدولة اللبنانية التي وإن أصر على محاصرتها وهو لن يستطيع إلا إلى حين، ذلك أن الاستحقاقات كثيرة، ومنها الاستحقاقات الاقتصادية والعقوبات القادمة على هذا البلد.

أين نصر الله من "الوعد الصادق" إلى اليوم؟ من يتكلم كثيراً لا يملك حجة مقنعة.

محاولة نصر الله المستميتة خطف انتصار الجيش اللبناني الأخير بمعركة "فجر الجرود" والتشويش على هذا الانتصار بعدما كان قد أنكر في البداية التنسيق بين الجيشين السوري واللبناني، وبعد أن قامت المعركتان "فجر الجرود" و"إن عدتم عدنا" على أساس غياب التنسيق، وعندما أثبت الجيش اللبناني أنه يستطيع أن ينتصر على المجموعات الإرهاببة أراد نصر الله أن يقول إن الجيش اللبناني عاجز عن تحقيق الانتصار أو عن حماية البلد وحده، ولهذا دلالات عديدة، منها الخوف من العودة عن الحديث عن تطبيق القرارين 1559 و1701 ونشر الشرعية اللبنانية على طول الحدود اللبنانية.

تكشف زيف الانتصارات الوهمية وما يخطط النظام السوري وحزب الله للبنان من وراء أحداث كثيرة مرت في الأشهر الأخيرة.

إذ بدايةً افتعلت أحداث مخيم عرسال وأريد إقحام الجيش اللبناني في تلك الأحداث ما بين الجيش والنازحين السوريين كي يجبروا الحكومة اللبنانية على التفاوض مع النظام السوري بشأن ملف النازحين، لم يحصلوا على مبتغاهم.

التفوا على الحكومة وحددوا معركة "جرود عرسال" دون العودة إلى الحكومة مرة جديدة وحجتهم القضاء على الإرهاب، فإذ بهم يرحلون "جبهة النصرة" وأميرها أبو مالك التلي معززاً مكرماً داخلاً إلى دير الزور دخول الفاتحين، وهنا أيضاً جرت محاولات لجر الحكومة اللبنانية للتفاوض بالترغيب، إذ قال نصر الله بأحد ظهوراته: "خلال أيام سيخرج بقية المسلحين من جرود عرسال إلى سوريا بعد التسهيلات التي قدمتها الدولة السورية"، ولكن مرة جديدة لم يجر تفاوض على صعيد حكومي كما يبغي الطرفان الحزب الإلهي والنظام السوري.

عودة المخطوفين العسكريين الثمانية شهداء إلى لبنان هي التي ستكشف الحقائق وتضع النقاط على الحروف.

إن النظام السوري جل ما يبتغيه هو العودة إلى لبنان، أو على الأقل احتلال الجرود كي يؤمن حدود سوريا المفيدة أي حدوده الغربية كي يؤمن معابره إلى البحر عبر لبنان، وهذا لا يتم إذا لم يتم التطبيع مع الحكومة اللبنانية، حزب الله يريد أن يبقى المنسق مع النظام السوري وأن يقول للنظام إنك لا زلت بحاجة لي للتنسيق وكظهير خلفي عند الحاجة، ذلك كأنه يستشعر لربما قد يتم الاستغناء عنه في المرحلة المقبلة عندما تبدأ مرحلة الإعمار في سوريا، إذ إن النظام السوري لا يؤمَن له.

لهذا يريد أن يبيع هذا النظام ورقة ثمينة الآن هي ورقة التطبيع مع الحكومة اللبنانية، لذا وفي خطابه ما قبل الأخير أكد على مسألة التواصل مع سوريا أن "أي اتفاق يتوصّل إليه الجانب اللبناني ستتعاون معه القيادة السورية بكل إيجابية، لكن "هذا شرطه الطلب الرسمي اللبناني والتنسيق العلني، وليس تحت الطاولة بل فوق الطاولة، أي أن ترسل الحكومة اللبنانية رسمياً إلى دمشق لتقول للقيادة السورية أو الحكومة السورية نحن تفاوضنا مع المسلحين.. ونحن نطلب منكم رسمياً أن نتعاون لإنجاح هذه المهمة". لكن للأسف عاد المخطوفون العسكريون الثمانية شهداء، فلماذا طالب نصر الله الحكومة اللبنانية التفاوض إذ إنه من غير الممكن لم يكن يعلم بمصيرهم ولم هذا التآمر ولمصلحة من؟

ومع هذا جرى التفاوض مع داعش الإرهابية وفي تصريح لافت لوكالة "سانا" للأنباء السورية أنه "بعد النجاحات التي حققتها قواتنا المسلحة بالتعاون مع المقاومة الوطنية اللبنانية في جرود القلمون الغربي وإحكام الطوق على من تبقى من تنظيم داعش الإرهابي وحقناً لدماء قواتنا والقوات الرديفة والمدنيين تمت الموافقة على الاتفاق الذي نظم بين حزب الله وتنظيم داعش الإرهابي والذي يقضي بخروج من تبقى من أفراد داعش باتجاه المنطقة الشرقية للجمهورية العربية السورية". هنا يتنصل النظام من التفاوض مع داعش بكل وضوح، وهو بذلك يقول إنه لا يفاوض مجموعة إرهابية مع أن نصر الله كان قد قال وكما سبق وأشرت إن النظام أمّن كل التسهيلات للعودة الآمنة له.

تبعاً لكل ما سبق مرة جديدة الحكومة اللبنانية مطالبة بموقف واضح إما الاستقالة أو الخروج علناً لشرح كيف استشهد هؤلاء الجنود؟ ولماذا يتم ترحيل مجرمي داعش عن الأراضي اللبنانية؟ عار على العهد جنوده يعودون إليه بنعوش والمجرمون يخرجون بباصات مكيفة، أنتم مطالبون بوقفة حق للدفاع عن سيادة لبنان، لا تكفي بيانات الاستنكار وأيام الحداد، إن البلد أمام استحقاقات مصيرية وهو بحاجة لرجال أصحاب مواقف، إن الثلاثية التي يريدها الشعب اللبناني هي ثلاثية الجيش، شرف، تضحية، وفاء، وليس رباعيات جديدة سوف تفرض من بعد ثلاثية جيش، شعب، مقاومة.

قد يكون هذا البلد صغيراً بمساحته لكنه يبقى أكبر من الجميع.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.