.
.
.
.

من موت المثقف إلى "نهاية الداعية"

فهد بن سليمان الشقيران

نشر في: آخر تحديث:

منذ منتصف القرن العشرين والنظريات الكليّة الشاملة ترزح تحت مطارق النقاد، وكان من ضمن ضحايا ذلك النقد والتفكيك جملة المبشرين من الدعاة والمثقفين ورجال الدين، وكان من أبرز طارحي تلك الانتقادات ميشيل فوكو الذي أعلن عن نهاية أو موت المثقف، وانتقد حتى مشروعه الضخم إذ قال: "لم أكتب قط شيئاً إلا أوهاماً"، وجيل دلوز الذي نزّه نفسه عن صفة "المثقف" معتبراً هذا الوصف يعني الثرثرة، والظهور الممل على التلفاز، بينما يفضل وصف الفيلسوف لأنه يبقى مشغولاً طوال الوقت بجزئيات صغيرة، ويعمل على تطوير مفهوم أو تشريح معنى، بينما رولان بارت قال: "إن المثقفين لا يصلحون لشيء". تلك الموجة انعكست على الفكر العربي من خلال كتاباتٍ تنتقد المثقف من بينها كتاب "نهاية الداعية" لعبدالإله بلقزيز صدر عام 2000، وكتاب علي حرب :"أوهام النخبة أو نقد المثقف" عام 2004، وتلاها العديد من الكتب التي تصب بهذا المجال معلنةً نهاية الدور التبشيري بالمعني الجماهيري للمثقف.

الظاهرة السوشلية فضحت الكثير من الأيقونات الثقافية التي كانت لها هيبة صنعها صمتهم المطبق وحضورهم الموزون من خلال الملاحق الثقافية والمطبوعات الدورية والصحف اليومية، ولكن بعد أن دخلوا أن جهل بعضهم، وزيف آخرين منهم، وتملق عدد منهم للجماهير أو "الفلورز"، فيصبح الطرح ضمن الإلحاح لزيادة أرقام الأتباع، وهذا يكشف عن الزيف الذي يرتكبه الداعية عموماً سواء لبس ربطة العنق أو ارتدى العمة أو امتطى المشلح، كلهم دخلوا في ذات الجلبة الجماهيرية المؤذية التي تحطم القيمة الأساسية للعلم والمعرفة. ولذلك فإن المثقف الجماهيري مصاب بنفس المرض الذي لدى الداعية أو الفنان والنجم، كلهم يقتاتون من ظهور الأتباع، وينصب كل تفكيرهم على إرضاء تلك الجموع.

وظيفة العلم والمعرفة لم تنته إطلاقاً بل ثمة نسّاك معرفةٍ بمكتباتهم تسيل محابرهم عن علم وتوثيق رصين، ولكن المشكلة الأساسية بالمثقف والداعية أنهم أدعياء اكتمال، إذ سرعان ما يبينون للجمع قدرتهم على ابتدار أي سؤالٍ بإجابة، وعلى المنازلة والمناظرة لأي مخالف، فالمثقف الجماهيري مثل الداعية يدعي امتلك الحقيقية الشاملة، ولديه الطاقة على التشدق بإنجازاته، والافتخار بكل الجلبة التي يحدثها حضوره الخاوي على وسائل التواصل الاجتماعي. على ذات السياق أحدث الداعية عمرو خالد ضجةً كبرى، وذلك بعد ظهوره على الفيسبوك وهو يدعو لمتابعيه في صفحته ويخصهم بالإلحاح على الله أن يوفقهم ويستجيب لهم ويحقق لهم أمنياتهم، وأياً كان تكييف هذه الصورة شرعاً غير أن ردة الفعل تكشف عن رغبةٍ من قبل الداعية بإرضاء متابعيه الكثر، أما الأتباع فقد أفصحوا عن تأثرهم الشديد بدعاء الشيخ عمرو، لكن شريحة كبرى أخذت الموضوع بسخريةٍ وتندر.

بعض التحليلات أحالت كثافة النكات على "دعاء الصفحة" لدى عمرو خالد بأن المجتمعات نضجت، لكن الشيخ عمرو لديه ملايين المتابعين والمتّبعين له والمنضوين وراءه، وعليه فإن الإفراط بالحديث عن نضج المجتمعات الإسلامية بعد التعليقات المنددة بالدعاء ليست سليمة، بل إن الجهل الآن ينتشر ويتفشى بالعالم العربي والإسلامي، والاحترام للعلم والمعرفة بتناقص مخيف، والعزوف عن الاطلاع والقراءة لا يكاد يصدقه عقل، وذلك بسبب فشل المثقف، ونهاية الداعية، وظهور وسائل بديلة عن المعرفة، إن تلك الأدوات تحقق نصراً نفسياً للإنسان من خلال منحه قيمةً متوهمةً، حين يضع صورته، أو يكتب بيتاً ركيكاً من الشعر، أو يشطح بفكرةٍ يظنّها جديدة على هذا العالم، وحين تتم إعادة التدوير، أو تغرق الصفحة بأيقونات الإعجاب يشعر بالامتلاء السهل الذي لا يحتاج إلى جهدٍ، إنه امتلاء أجوف.

من الضروري إعلان نهاية وظيفة المثقف التبشيري أياً كان زيّه ومنطقه، واستبداله بصفاتٍ أخرى، ذلك أن الكثير ممن يسمون المثقفين الآن لديهم كوارث معرفية، ووقعوا بمآزق تملق الجماهير، وأحياناً إلى الخنوع الفاضح للأصوليين وجيوش العنف والإرهاب، ولهذا فإن صفة "المثقف-الداعية" استنفذت طاقتها وتجاوزها الزمن، فالإنسان عليه أن يتحرر من الرموز والأيقونات الضارة والمضللة، إنها مرحلة عودة الإنسان إلى ظلّه كما قال يوماً أحد كبار معلني نهاية دور المثقف وهو الفرنسي "جيل دلوز".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.