إعصار إرما: التوحش بين الإرادة والإدارة

عبد الله بن بجاد العتيبي
عبد الله بن بجاد العتيبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

«‬إعصار ‬إرما» ‬أحد ‬أشدّ ‬الأعاصير ‬قوةً ‬في ‬التاريخ، ‬وهو ‬ضرب ‬بعض ‬جزر ‬الكاريبي ‬ولاية ‬فلوريدا ‬الأميركية، ‬التي ‬هرب ‬الكثير ‬من ‬سكانها ‬إلى ‬الولايات ‬الأخرى ‬بنصيحة ‬السلطات ‬المحلية، ‬وقد ‬بادرت ‬الإمارات ‬بنقل ‬كل ‬مبتعثيها ‬في ‬تلك ‬الولاية ‬إلى ‬ولاياتٍ ‬أخرى ‬بأمرٍ ‬مباشرٍ ‬من صاحب السمو ‬الشيخ ‬محمد ‬بن ‬زايد. هناك ‬فئة ‬غاشمة ‬ظالمة ‬ممن ‬يتمسحون ‬بالدين ‬ويسمون ‬أنفسهم ‬دعاةً ‬من ‬المنتسبين ‬لتيارات ‬الإسلام ‬السياسي ‬لا ‬يدعون ‬مصاباً ‬يصيب ‬البشر ‬إلا ‬وشمتوا ‬به ‬وبهم، ‬فحين ‬أصاب ‬تسونامي ‬دول ‬شرق ‬آسيا ‬قبل ‬سنواتٍ ‬قالوا ‬هذه ‬عقوبة ‬من ‬الله ‬بسبب ‬ذنوبهم، ‬وكلما ‬حدث ‬زلزال ‬أو ‬انفجر ‬بركان، ‬أو ‬حدث ‬إعصار ‬مما ‬هو ‬جزء ‬من ‬الكوارث ‬الطبيعية ‬لجؤوا ‬لتفسيرها ‬دينياً ‬بأنها ‬عقوبةٌ ‬للبشر ‬كل ‬البشر ‬الواقعين ‬تحت ‬نير ‬الكارثة، ‬بلا ‬شعورٍ ‬بأي ‬تأنيبٍ ‬للضمير ‬أو ‬إحساس ‬بالخطيئة. وهم ‬لا ‬يرعون ‬أبداً ‬بل ‬إنهم ‬يكررون ‬مواقفهم ‬وتصريحاتهم ‬في ‬كل ‬مصيبةٍ، ‬ما ‬يشير ‬إلى ‬نوعٍ ‬خاصٍ ‬من ‬الخطاب ‬الديني ‬أو ‬الدعوي ‬مؤسس ‬على ‬الكراهية ‬والبغضاء، ‬وعدم ‬الإنسانية ‬والرقة ‬والرفق ‬والتسامح، ‬خطاب ‬لا ‬يكتفي ‬بالشماتة ‬بمصائب ‬الطبيعة ‬التي ‬تصيب ‬البشر، ‬بل ‬يزيد ‬عليها ‬السعي ‬الكثيف ‬والتخطيط ‬المتعمد ‬لإنزال ‬كل ‬أنواع ‬المصائب ‬بعامة ‬البشر ‬في ‬الشرق ‬والغرب، ‬فاخترعوا ‬التفجيرات ‬والضرب ‬بالطائرات ‬والدهس ‬بالشاحنات ‬والعمليات ‬الانتحارية، ‬وتتفتق ‬أذهانهم ‬كل ‬فترةٍ ‬عن ‬خطط ‬جديدة ‬للإجرام ‬لم ‬يسبقهم ‬إليها ‬أحد. الحديث ‬هنا ‬ليس ‬عن ‬«الدواعش» ‬و«القاعديين» ‬فحسب، ‬بل ‬عمن ‬يسمون ‬أنفسهم ‬بالدعاة ‬وهم ‬لا ‬يقلون ‬بحالٍ ‬عن ‬هؤلاء ‬إجراماً ‬وحقداً ‬وكراهيةً، ‬من ‬رموز ‬جماعة ‬«الإخوان» ‬أو ‬من ‬السرورية، ‬أو ‬من ‬غيرهما ‬من ‬التسميات، ‬فكل ‬هؤلاء ‬أعداء ‬للإنسانية ‬ومجرمون ‬تشربوا ‬مناهج ‬تكفيرية ‬متطرفةً، ‬ونهلوا ‬من ‬خطاباتٍ ‬لا ‬تنضب ‬كراهيةً ‬وتطرفاً ‬وعنفاً ‬حتى ‬أصبحت ‬لديهم ‬إرادة ‬للتوحش ‬وعند ‬تلاميذهم «‬إدارة ‬التوحش»‬.

مهمة ‬إصلاح ‬الخطابات ‬الدينية ‬تبدأ ‬بإدانة ‬كل ‬خطابات ‬الكراهية ‬والتطرف، ‬وإبعاد ‬كل ‬من ‬يروّج ‬لتلك ‬الخطابات ‬عن ‬التدخل ‬في ‬الشأن ‬العام، ‬إنْ ‬في ‬وظائف ‬الدولة ‬أو ‬في ‬التعليم ‬العام ‬والعالي، ‬أو ‬في ‬منابر ‬المساجد ‬ومواطن ‬الوعظ، ‬ويجب ‬أن ‬يخضع ‬منتجو ‬تلك ‬الخطابات ‬ومروجوها ‬للمحاسبة ‬بقوة ‬الدولة ‬والنظام ‬والقانون، ‬وأن ‬تحال ‬الشخصيات ‬التي ‬تكتب ‬تلك ‬الشماتة ‬المعيبة ‬أخلاقياً ‬في ‬مواقع ‬التواصل ‬الاجتماعي ‬إلى ‬القضاء ‬بناء ‬على ‬قوانين ‬الجرائم ‬المعلوماتية ‬وقوانين ‬مكافحة ‬الإرهاب. هؤلاء ‬الشامتون ‬بالإنسانية ‬هم ‬أساس ‬التطرف ‬ومنبعه، ‬وهم ‬أشد ‬خطراً ‬من ‬الإرهابي ‬الفرد ‬الذي ‬ينضم ‬لتنظيم ‬ما، ‬لأنه ‬اختار ‬لنفسه ‬طريق ‬الإرهاب ‬ولكن ‬هؤلاء ‬يدفعون ‬من ‬ينصت ‬لهم ‬ويثق ‬بهم ‬بالمئات ‬والآلاف ‬إلى ‬طريق ‬الإرهاب، ‬فالإرهابي ‬منتج ‬من ‬مصنع ‬وهؤلاء ‬هم ‬المصنع. لعقود ‬تمّت ‬تربية ‬هؤلاء ‬على ‬خطابات ‬سيّد ‬قطب ‬ومحمد ‬قطب ‬المليئة ‬بالكراهية ‬وعلى ‬فتاوى ‬يوسف ‬القرضاوي ‬الدموية، ‬وتمت ‬تعبئتهم ‬بخطابات ‬تراثيةٍ ‬منتقاةٍ ‬حتى ‬تحولوا ‬وحوشاً ‬لا ‬بشراً، ‬وخطابهم ‬اليوم ‬-وإن ‬تبرؤوا ‬من ‬الإرهاب ‬جبناً- صانعٌ ‬للتوحش ‬وراعٍ ‬له ‬ومرغبٌ ‬فيه، ‬وتركهم ‬بلا ‬عقوبةٍ ‬يجعلهم ‬يستمرون ‬في ‬صناعة ‬التطرف ‬والإرهاب ‬وينتجون ‬متطرفين ‬وإرهابيين، ‬يملؤون ‬العالم ‬إرهاباً ‬ودماءً ‬وتخريباً ‬وتدميراً. ما ‬لم ‬يضيق ‬الخناق ‬على ‬رموز ‬التطرف ‬والتكفير، ‬وعلى ‬المحرضين ‬والمبررين، ‬وعلى ‬أعداء ‬الإنسانية ‬فإن ‬القضاء ‬على ‬الإرهاب ‬سيكون ‬شبه ‬مستحيل.

أخيراً، ‬وللمقارنة ‬فقد ‬جاء ‬في ‬صحيح ‬البخاري، ‬كان ‬سهل ‬بن ‬حنيف ‬وقيس ‬بن ‬سعد ‬قاعدين ‬بالقادسية، ‬فمروا ‬عليهما ‬بجنازة، ‬فقاما، ‬فقيل ‬لهما ‬إنا ‬من ‬أهل ‬الأرض ‬أي ‬من ‬أهل ‬الذمة، ‬فقالاً: ‬إن ‬النبي ‬صلى ‬الله ‬عليه ‬وسلم ‬مرت ‬به ‬جنازة ‬فقام ‬فقيل ‬له: ‬إنها ‬جنازة ‬يهودي، ‬فقال: ‬أليست ‬نفساً"‬.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط