.
.
.
.

إعصار إرما: التوحش بين الإرادة والإدارة

عبد الله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

«‬إعصار ‬إرما» ‬أحد ‬أشدّ ‬الأعاصير ‬قوةً ‬في ‬التاريخ، ‬وهو ‬ضرب ‬بعض ‬جزر ‬الكاريبي ‬ولاية ‬فلوريدا ‬الأميركية، ‬التي ‬هرب ‬الكثير ‬من ‬سكانها ‬إلى ‬الولايات ‬الأخرى ‬بنصيحة ‬السلطات ‬المحلية، ‬وقد ‬بادرت ‬الإمارات ‬بنقل ‬كل ‬مبتعثيها ‬في ‬تلك ‬الولاية ‬إلى ‬ولاياتٍ ‬أخرى ‬بأمرٍ ‬مباشرٍ ‬من صاحب السمو ‬الشيخ ‬محمد ‬بن ‬زايد. هناك ‬فئة ‬غاشمة ‬ظالمة ‬ممن ‬يتمسحون ‬بالدين ‬ويسمون ‬أنفسهم ‬دعاةً ‬من ‬المنتسبين ‬لتيارات ‬الإسلام ‬السياسي ‬لا ‬يدعون ‬مصاباً ‬يصيب ‬البشر ‬إلا ‬وشمتوا ‬به ‬وبهم، ‬فحين ‬أصاب ‬تسونامي ‬دول ‬شرق ‬آسيا ‬قبل ‬سنواتٍ ‬قالوا ‬هذه ‬عقوبة ‬من ‬الله ‬بسبب ‬ذنوبهم، ‬وكلما ‬حدث ‬زلزال ‬أو ‬انفجر ‬بركان، ‬أو ‬حدث ‬إعصار ‬مما ‬هو ‬جزء ‬من ‬الكوارث ‬الطبيعية ‬لجؤوا ‬لتفسيرها ‬دينياً ‬بأنها ‬عقوبةٌ ‬للبشر ‬كل ‬البشر ‬الواقعين ‬تحت ‬نير ‬الكارثة، ‬بلا ‬شعورٍ ‬بأي ‬تأنيبٍ ‬للضمير ‬أو ‬إحساس ‬بالخطيئة. وهم ‬لا ‬يرعون ‬أبداً ‬بل ‬إنهم ‬يكررون ‬مواقفهم ‬وتصريحاتهم ‬في ‬كل ‬مصيبةٍ، ‬ما ‬يشير ‬إلى ‬نوعٍ ‬خاصٍ ‬من ‬الخطاب ‬الديني ‬أو ‬الدعوي ‬مؤسس ‬على ‬الكراهية ‬والبغضاء، ‬وعدم ‬الإنسانية ‬والرقة ‬والرفق ‬والتسامح، ‬خطاب ‬لا ‬يكتفي ‬بالشماتة ‬بمصائب ‬الطبيعة ‬التي ‬تصيب ‬البشر، ‬بل ‬يزيد ‬عليها ‬السعي ‬الكثيف ‬والتخطيط ‬المتعمد ‬لإنزال ‬كل ‬أنواع ‬المصائب ‬بعامة ‬البشر ‬في ‬الشرق ‬والغرب، ‬فاخترعوا ‬التفجيرات ‬والضرب ‬بالطائرات ‬والدهس ‬بالشاحنات ‬والعمليات ‬الانتحارية، ‬وتتفتق ‬أذهانهم ‬كل ‬فترةٍ ‬عن ‬خطط ‬جديدة ‬للإجرام ‬لم ‬يسبقهم ‬إليها ‬أحد. الحديث ‬هنا ‬ليس ‬عن ‬«الدواعش» ‬و«القاعديين» ‬فحسب، ‬بل ‬عمن ‬يسمون ‬أنفسهم ‬بالدعاة ‬وهم ‬لا ‬يقلون ‬بحالٍ ‬عن ‬هؤلاء ‬إجراماً ‬وحقداً ‬وكراهيةً، ‬من ‬رموز ‬جماعة ‬«الإخوان» ‬أو ‬من ‬السرورية، ‬أو ‬من ‬غيرهما ‬من ‬التسميات، ‬فكل ‬هؤلاء ‬أعداء ‬للإنسانية ‬ومجرمون ‬تشربوا ‬مناهج ‬تكفيرية ‬متطرفةً، ‬ونهلوا ‬من ‬خطاباتٍ ‬لا ‬تنضب ‬كراهيةً ‬وتطرفاً ‬وعنفاً ‬حتى ‬أصبحت ‬لديهم ‬إرادة ‬للتوحش ‬وعند ‬تلاميذهم «‬إدارة ‬التوحش»‬.

مهمة ‬إصلاح ‬الخطابات ‬الدينية ‬تبدأ ‬بإدانة ‬كل ‬خطابات ‬الكراهية ‬والتطرف، ‬وإبعاد ‬كل ‬من ‬يروّج ‬لتلك ‬الخطابات ‬عن ‬التدخل ‬في ‬الشأن ‬العام، ‬إنْ ‬في ‬وظائف ‬الدولة ‬أو ‬في ‬التعليم ‬العام ‬والعالي، ‬أو ‬في ‬منابر ‬المساجد ‬ومواطن ‬الوعظ، ‬ويجب ‬أن ‬يخضع ‬منتجو ‬تلك ‬الخطابات ‬ومروجوها ‬للمحاسبة ‬بقوة ‬الدولة ‬والنظام ‬والقانون، ‬وأن ‬تحال ‬الشخصيات ‬التي ‬تكتب ‬تلك ‬الشماتة ‬المعيبة ‬أخلاقياً ‬في ‬مواقع ‬التواصل ‬الاجتماعي ‬إلى ‬القضاء ‬بناء ‬على ‬قوانين ‬الجرائم ‬المعلوماتية ‬وقوانين ‬مكافحة ‬الإرهاب. هؤلاء ‬الشامتون ‬بالإنسانية ‬هم ‬أساس ‬التطرف ‬ومنبعه، ‬وهم ‬أشد ‬خطراً ‬من ‬الإرهابي ‬الفرد ‬الذي ‬ينضم ‬لتنظيم ‬ما، ‬لأنه ‬اختار ‬لنفسه ‬طريق ‬الإرهاب ‬ولكن ‬هؤلاء ‬يدفعون ‬من ‬ينصت ‬لهم ‬ويثق ‬بهم ‬بالمئات ‬والآلاف ‬إلى ‬طريق ‬الإرهاب، ‬فالإرهابي ‬منتج ‬من ‬مصنع ‬وهؤلاء ‬هم ‬المصنع. لعقود ‬تمّت ‬تربية ‬هؤلاء ‬على ‬خطابات ‬سيّد ‬قطب ‬ومحمد ‬قطب ‬المليئة ‬بالكراهية ‬وعلى ‬فتاوى ‬يوسف ‬القرضاوي ‬الدموية، ‬وتمت ‬تعبئتهم ‬بخطابات ‬تراثيةٍ ‬منتقاةٍ ‬حتى ‬تحولوا ‬وحوشاً ‬لا ‬بشراً، ‬وخطابهم ‬اليوم ‬-وإن ‬تبرؤوا ‬من ‬الإرهاب ‬جبناً- صانعٌ ‬للتوحش ‬وراعٍ ‬له ‬ومرغبٌ ‬فيه، ‬وتركهم ‬بلا ‬عقوبةٍ ‬يجعلهم ‬يستمرون ‬في ‬صناعة ‬التطرف ‬والإرهاب ‬وينتجون ‬متطرفين ‬وإرهابيين، ‬يملؤون ‬العالم ‬إرهاباً ‬ودماءً ‬وتخريباً ‬وتدميراً. ما ‬لم ‬يضيق ‬الخناق ‬على ‬رموز ‬التطرف ‬والتكفير، ‬وعلى ‬المحرضين ‬والمبررين، ‬وعلى ‬أعداء ‬الإنسانية ‬فإن ‬القضاء ‬على ‬الإرهاب ‬سيكون ‬شبه ‬مستحيل.

أخيراً، ‬وللمقارنة ‬فقد ‬جاء ‬في ‬صحيح ‬البخاري، ‬كان ‬سهل ‬بن ‬حنيف ‬وقيس ‬بن ‬سعد ‬قاعدين ‬بالقادسية، ‬فمروا ‬عليهما ‬بجنازة، ‬فقاما، ‬فقيل ‬لهما ‬إنا ‬من ‬أهل ‬الأرض ‬أي ‬من ‬أهل ‬الذمة، ‬فقالاً: ‬إن ‬النبي ‬صلى ‬الله ‬عليه ‬وسلم ‬مرت ‬به ‬جنازة ‬فقام ‬فقيل ‬له: ‬إنها ‬جنازة ‬يهودي، ‬فقال: ‬أليست ‬نفساً"‬.

*نقلاً عن صحيفة "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.