الهند وخطر اليمين الهندوسي

ذكر الرحمن
ذكر الرحمن
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تتوافر الهند على وسائل إعلام نشطة وشرسة، غير أن أكبر ديمقراطية في العالم شهدت مؤخراً حوادث تشير إلى أنها أخذت تتحول إلى مكان خطير بالنسبة للصحافيين، حوادث تتزامن على ما يبدو مع صعود للجناح اليميني المتطرف للقومية الهندوسية.

فالأسبوع الماضي، تعرّضت «جوري لانكيش»، وهي صحفية مشهورة تحظى بالتقدير والاحترام، التي كانت من منتقدي أيديولوجيا الجناح اليميني، لطلقة نارية قاتلة عندما كانت تهمّ بدخول بيتها لدى عودتها من العمل. ولئن كانت الشرطة ما زالت تحقق من أجل معرفة من يقف وراء هذه الجريمة، فإن ما هو معروف للجميع هو أن «لانكيش» كانت مشهورة بانتقادها للمجموعات الهندوسية اليمينية، لا بل إن أحد قياديي حزب «بهاراتيا جاناتا»، الذي يوجد في الحكم على الصعيد الفيدرالي، ذهب إلى حد القول صراحة إنها لو لم تكن تكتب ضد مجموعات الجناح اليميني، لكانت حية ترزق اليوم.

مجموعات الجناح اليميني الهندوسي هذه ازدادت قوة وجرأة منذ وصول رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه إلى السلطة في 2014. كما أصبحت هذه المجموعات مبادرة أكثر في الدفع بأجندتها، حتى بوساطة العنف أحياناً، عبر تطبيقها «القانون» بنفسها، من إغلاق مجازر كل أنواع الحيوانات باسم منع ذبح الأبقار، إلى ما يعتقدون أنها حماية للثقافة والتقاليد الهندوسية. هذه المجموعات بات يُنظر إليها على أنها تقسّم البلاد وفق خطوط دينية في وقت فشلت فيه الحكومة في اتخاذ أي إجراء قوي ضدها. كل هذا أثار المخاوف حتى بين أغلبية الهنود من أن يكون النسيجُ العلماني للهند قد أخذ يتمزق بسبب هذه العناصر.

ومعلوم أن الهند مجتمعٌ متعدد الأديان تعيش فيه لغات وطوائف وأعراق مختلفة في سلام وسكينة منذ عصور، ولكن اليوم هناك خوفٌ حقيقي بين أغلبية الهنود لأن ثمة محاولات لتمزيق هذا النسيج العلماني، وهو ما يُعتبر مؤذياً ليس فقط للتنمية في بلد يُعد من بين أسرع الاقتصادات نمواً في العالم اليوم، ولكن أيضاً لوحدة الهند وسلامتها. هذه المخاوف تستمد مبرراتها من حقيقة أن القومية الهندوسية تُعتبر ركناً ركيناً من البرنامج السياسي للحزب الحاكم الذي وصل إلى السلطة بدعم من «راشتريا سيفاك سانغ»، المنظمة الهندوسية القومية اليمينية الأعلى. وبالنسبة لحزب «بهاراتيا جاناتا»، فإن تقسيم البلاد وفق خطوط دينية يمثّل أيضاً امتيازاً سياسياً وسيساعده على الحفاظ على السلطة إلى حد كبير، ولكن المشكلة اليوم هي أن مساحة الرأي المعارض آخذة في التقلص والأصوات الليبرالية باتت تجد نفسها عرضة للهجوم.

ومن دون شك، فإن قتل «لانكيش» زاد من حالة القلق والتوجس عبر البلاد وكشف النقاب عن كيف بات الباحثون والمثقفون والصحافيون يُستهدَفون في الهند. فقد كشفت منظمة «ذا هوت» المراقبة للمشهد الإعلامي في الهند في تقرير حديث لها عن 54 هجوماً على صحافيين بين يناير 2016 وأبريل 2017. وفضلاً عن هذا، أشار التقرير أيضاً إلى رفع 45 حالة تحريض ضد أفراد ومنظمات وإلى مقتل سبعة صحافيين خلال هذه الفترة.

ومن جانبها، وضعت منظمة «مراسلون بلا حدود» في تقريرها حول حرية الصحافة في العالم هذا العام الهندَ في المرتبة الـ136 ضمن قائمة من 192 بلداً تقيس فيها مقدار الحرية التي يتمتع بها الصحافيون في بلدانهم. التقرير أشار أيضاً إلى أن أحد التحديات التي تواجهها الهند اليوم هو صعود القوميين الهندوس الذين يستهدفون منتقدي أيديولوجيتهم، إذ «مع سعي القوميين الهندوس لإزالة كل مظاهر الفكر «غير القومي» من النقاش الوطني، أخذت الرقابةُ الذاتية تزداد في وسائل الإعلام الرئيسية»، وفق التقرير. وعلى الرغم من وجود أصوات معارضة في وسائل الإعلام الهندية، فإن تقلص مساحة الآراء المخالفة بدأ يضر بالإعلام، إذ أصبحت المؤسسات الإعلامية الكبيرة حذرةً بشكل متزايد بشأن انتقاد الحكومة أو أيديولوجيتها.

وبالنسبة للهند، التي لديها إعلام يتصف بالنشاط والحيوية، تُعد هذه سابقة خطيرة. ذلك أن من مؤشرات الديمقراطية الصحية وجودُ إعلامٍ قوي وفضاء للرأي المخالف. وإذا كان هذان الأخيران غير مكفولين، فيمكن القول إن الهند قد تكون متجهة نحو ما لا تحمد عقباه، ولكن صعود القومية الهندوسية يُعد أيضاً مدعاة للقلق بالنسبة لبلد لديه الكثير من الأديان. والواقع أنه منذ الآن، أخذت الأقليات تشعر بالحرمان من حقوقها، وهو تطورٌ غير مرحب به بالنسبة لبلد يصبو إلى أن يصبح قوة عظمى، ولكن لحسن الحظ أن أغلبية الهندوس علمانيون ويرون ضرراً بالغاً قد يلحق بوحدة الهند إذا سُمح للجناح اليميني بتنفيذ أجندته، ولذلك فإنهم من يقودون الحملة ضد القوى قصيرة النظر التي تريد إحداث انقسام في البلاد، على الرغم مما ينطوي عليه ذلك من خطر على أرواحهم.

*نقلا عن صحيفة "الاتحاد".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.