.
.
.
.

زعيم مات.. 3 مرات!

عباس الطرابيلي

نشر في: آخر تحديث:

كنت من أكثر شباب مصر- أيامها- تأييداً ودعماً للرئيس جمال عبدالناصر.. بالذات منذ أعلن تأميم شركة قناة السويس وأعادها إلى أحضان كل المصريين، وربما بسبب أفكاره حول القومية العربية وحول إنشاء دولة عربية تضم من يشاء شعوبها الانضمام إليها.. ولهذا السبب بكيت- كما لم أبك أبداً، حتى يوم وفاة أمى.. أو وفاة أبى- حيث بكيت يوم انفصال سوريا عن مصر فى سبتمبر عام 1961، وكنت يومها صحفياً فى «أخبار اليوم».. ثم أيدته كذلك بسبب سياسة دعم الشعوب المناضلة، من أجل الاستقلال وبالذات الدول العربية، مثل الجزائر، وتونس، والمغرب، فضلاً عن الدول الأفريقية.

ولكننى بدأت أفقد إحساسى بالرئيس بعد أن تكشفت لنا أسرار انفصال السودان عن مصر، وأتعجب كيف نواجه مؤامرات الإنجليز هناك بالرقص عرايا، كما فعل الصاغ صلاح سالم!!.

وأمس- ولا أخشى هنا دروشة دراويش الناصرية- عاد إلى ذاكرتى يوم وفاة عبدالناصر.. ويومها استدعانى الصحفى الكبير موسى صبرى لكى أشاركه التخطيط فى عمل التغطية الصحفية ليوم الرحيل، وكنت من أوائل من عرفوا الخبر، ومن اللحظة الأولى لبدء تلاوة القرآن الكريم من ماسبيرو.. وقبل أن يعرف أحد من الشعب سر هذه التلاوة.

وربما حركت لدى ما عرفته مما نشر عن مذكرات رمز الدبلوماسية المصرية، عمرو موسى، وما أثارته كلماته عن أن الرئيس كان يطلب طعاماً خاصاً من سويسرا.. ليواجه به مرض السكر اللعين.. إذ ترك كل الدراويش أخطاء الرئيس.. «وكلبشوا» فى كلمات الطعام السويسرى.

ولكننى أرى أن الرئيس عبدالناصر، المولود فى يناير 1918، لم يمت مرة واحدة.. بل مات ثلاث مرات، وهو الذى حكم مصر 16 سنة لا أكثر، ولكنه ترك لنا من السلبيات أكثر مما ترك من الإيجابيات.. وفى مقدمة السلبيات تلك المتعلقة بكبت الحريات وإجبار الأبناء على كتابة تقارير عن آبائهم.. وما قيل عن إذلال عميد عائلة الفقى بعد ما أذاعوه عقب مقتل صلاح حسين.. إذ أجبره رجال لجنة تصفية الإقطاع على أن يتحول إلى هيئة حمار ليركبه أحد فلاحيه!!.

■ المهم أن عبدالناصر مات- للمرة الأولى- حين أمر قوات المظلات المصرية التى كانت قد اقتربت من اللاذقية بتسليم نفسها للسلطة الجديدة هناك، بعد أن تيقن أن انفصال سوريا عن مصر صار حقيقة، وحدث ذلك يوم 28 سبتمبر 1961.. بل الثابت أنه أصيب بمرض السكر فى هذا اليوم - وهو المرض الذى مات بعده.. للمرة الأخيرة!، ذلك لأن الرجل وجد حلمه ينهار ويسقط ولم يكن يدرى أنه كان قصراً من رمال.. وأرى ذلك اليوم هو الموت الحقيقى للرئيس بموت حلمه الأعظم.. ولا يُنسى هنا كيف حملوا سيارته- وليس هو فقط- فى سوريا.

■ الوفاة الثانية وقعت يوم 5 يونيو 1967، بالهزيمة التى لم يكن أحد يتوقعها بالمرة.. والغريب أن المتسبب فى الحدثين كان هو نفس الشخص «عبدالحكيم عامر»، الذى أحترمه إنسانياً.. ولا أعترف به عسكرياً.. إذ بحكم معرفة عبدالناصر لإمكانيات صديقه عامر ما كان يجب أن يمنحه كل هذه الثقة، سواء فى إدارته لأوضاع سوريا، فوقع الانفصال، أو ما وقع فى سوء إدارته عسكرياً للأزمة.. فتسبب فى الهزيمة، إذ جاءت المعركة عكس كل أحلام الزعيم!!.

■ والوفاة الثالثة وقعت 28 سبتمبر 1970 وبسبب الإجهاد الذى نزل به وهو يواجه مأساة أيلول الأسود.. وإذا كان الرئيس قد سقط بسقوط أحلامه فإن أخطر سلبياته أنه أنفق ثروة مصر على غير المصريين فى اليمن وسوريا والجزائر وكل دول أفريقيا.. وأهدر هذه الثروة بسبب أحلامه السياسية.

ترى لو عاد عبدالناصر ليحكم مصر هل كان يحظى بالتأييد الذى فاز به حتى فى جنازته؟.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.