.
.
.
.

مرتكب مجزرة لاس فيغاس ليس إرهابياً

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

كتب وعلق الكثيرون منتقدين وصف الإعلام الأمريكي لستيفن بادوك مرتكب مجزرة لاس فيغاس بالمجنون أو المجرم وليس "الإرهابي" كما يعتقدون أنه الوصف المناسب له. المذيع البريطاني الشهير بيرس مورغان كتب تغريدة يقول فيها لأنه أبيض لن يسموه "إرهابياً" على العكس من ذلك لو كان مسلماً. يأتي نقدهم هذا في سياق الشكوى من الظلم الواقع على المسلمين، وأنهم فقط يوصفون بـ"الإرهابيين" مع كل جريمة يرتكبها أحدهم أو مجموعة منهم، في الوقت التي تمنع هذه التسمية عن غيرهم.

مثل هذا الموقف يتكرر بشكل مستمر تسمعه من أصدقاء وتقرأه في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو في الحقيقة غير صحيح. بحسب التقارير الإخبارية فإن ستيفن بادوك فاشل ومقامر وخسر الكثير من المال وربما كان هذا السبب الذي دفعه لارتكاب هذه المجزرة الرهيبة (التحقيقات ما زالت جارية).

رغم فظاعة ما حدث إلا أنه يحدث في كل مكان لأسباب نفسية أو اجتماعية ومالية ولا يوصف من يقوم بمثل هذا الفعل بـ"الإرهابي" بل بـ"القاتل" أو "المختل" أو "المجرم" أو أي تسمية أخرى. فلو أن شخصاً في أي بلد عربي أو مسلم- وهذا يحدث كثيرا وأخبار الجرائم لا تتوقف- قام بذات الأمر فلن يجوز أيضا وصفه بـ"الإرهابي" ولكن بالشخص الذي ارتكب جريمته بسبب اختلالات واضطرابات وظروف معينة دفعته لارتكاب فعلته.

من القصص المؤثرة التي حدثت قبل سنوات في كندا هي قيام مواطن باكستاني الأصل اسمه محمد شافعي بقتل بناته الثلاث وزوجته الأولى بسبب شكوكه في سلوكهن! فماذا يمكن أن تسمي هذا الرجل؟ يمكن وصفه بـ"الأحمق"، و"المعتوه"، و"المريض"، و"المجرم"، و"عديم الضمير"، ولكن وصف "الإرهابي" لا ينطبق عليه، تماما كما يمكن أن نقول عن بادوك.

الإرهاب ينطلق من إيديولوجية دينية متطرفة تحرّض على الكراهية والعداء وتدفع معتنقيها لقتل الآخرين المختلفين في الدين أو الطائفة أو الرأي. شاهدنا ذلك بين معتنقي أديان عديدة وليست فقط بين المسلمين. مثلا النرويجي أندريس بيرنج بريفيك الذي ارتكب المجزرة الشهيرة في إحدى الجزر النرويجية عام 2011 وذهب ضحيتها 76 شخصاً، انطلق من منطلقات دينية متطرفة لذا يصح وصفه بـ"الإرهابي" وبالتأكيد المنتمون للنصرة هم إرهابيون لأنهم ينطلقون من منطلقات العدائية والكراهية الدينية ذاتها.

في هذه النقطة تحديداً يطرح تساؤل متكرر: لماذا إذاً يتم التركيز فقط على المسلمين؟ الجواب الواضح هو أن الإرهاب شاع وتفشى بين المتطرفين المسلمين أكثر من غيرهم. يكفي أن نعرف أن أكبر تنظيمين إرهابيين عرفهما العالم في العقود الأخيرة هما تنظيما القاعدة وداعش اللذان لا يقبلان في عضويتهما إلا المسلمين المتطرفين. لو أن المتطرفين المسيحيين مثل النرويجي بريفيك أسسوا تنظيمات إرهابية مثل القاعدة وقاموا بقتل المسلمين واليهود وغيرهم فإن الإعلام سيسلط الضوء عليهم أكثر من غيرهم ولكن هذا كما نعرف غير صحيح. نعم يوجد متطرفون مسيحيون ويهود وبوذيون ومن كل النحل ولكن لا توجد تنظيمات إرهابية مسيحية أو بوذية مسلحة على شاكلة داعش مثلا ينضم لها الآلاف وترتكب عمليات إرهابية فظيعة مثل استخدام الطائرات المدنية أو الشاحنات للدهس.

الكراهية الدينية والطائفية والعمليات الإرهابية كانت شائعة في أوروبا ولكن كان ذلك في القرون الوسطى. ولو أخذنا معنا الإعلام والسوشل ميديا وعدنا إلى تلك الحقب المظلمة فإن أكثر الأخبار التي سنكتبها أو الهاشتاغات التي سنشارك فيها هي عن التنظيمات الإرهابية المسيحية أو اليهودية ومجازرها المريعة. وكما نعرف أن فلاسفة فرنسا الكبار مثل فولتير كانوا مطاردين من ميليشيات كاثوليكية إرهابية تريد أن تدحرج رؤوسهم. وهناك بالفعل فلاسفة قتلوا وصلبوا باسم الزندقة والهرطقة والخروج عن الدين. لكن هذا شيء انتهى في الماضي بسبب الإصلاحات الدينية والثورات العلمية والفلسفية التي حدثت في أوروبا عندما انتصر فيها العقل على الخرافة.

في الواقع يجب أن يغضب المسلمون أكثر من غيرهم من ترديد مثل هذا الخلط مع كل جريمة تقع. أولاً، لأن دينهم هو من تعرض للتشويه من قبل المتطرفين الإرهابيين، وثانياً، لأنهم - أيضا - هم أكثر ضحايا هذا التطرف والإرهاب، وثالثاً، لأنهم المهددون به حاضراً ومستقبلاً، فالإرهابيون قتلوا من المسلمين أكثر من أتباع أي دين آخر، كما أن فرص انتشار التطرف وتشدد الصغار هي أكثر في الدول المسلمة من أوروبا وأميركا! الخلط وتسمية غيرنا إرهابيين هو مجرد انتقام عاطفي من الآخرين ولكنه عملياً يورطنا بصهره الجريمة الجنائية بالمرض النفسي بالإرهاب ولا نعرف بعدها أصل المشكلة التي نعاني منها أكثر من غيرنا حتى نعالجها.

لنتوقف الآن عن حسن النية في السطور أعلاه ونطرح السؤال الأهم: لماذا هناك من يتعمد خلط هذه الأوراق في كل عملية تقع؟

هناك من يردد مثل هذه الشكاوى كتعبير عن الخطاب الثقافي المتوارث في العالم العربي عن ظلم الغرب للعرب والمسلمين، وهناك فئة تردد ذلك لمحاولة فقط دغدغة الشارع التي تحركه مثل هذه المواقف الشعوبية وبهدف اكتساب الجماهيرية، ولكن هناك فئة – وهي الأخطر- تتعمد فعلاً إحداث التغبيش حول المسمى لمحاولة تضييع معالمه تماماً وإدخاله تحت قائمة أمراض العصاب والذهان في محاولة مكشوفة للتعمية عن السبب الرئيسي للإرهاب وهي الثقافة المتطرفة التي تحتضنه وتشرّع له.

المتطرفون يعتمدون مثل هذا الخلط فقد أسموا الإرهابيين مرضى ومغرراً بهم ومخدوعين في محاولة لمسح بصمات العلة الأساسية التي تشير للعقل المتزمت والمنغلق. أيام التفجيرات الإرهابية في السعودية وجدنا من يتعمد تسمية الإرهابيين الذين قتلوا الأبرياء ورجال الأمن بالمجرمين أو المرضى النفسيين وكل هذه التسميات بالطبع مغلوطة بل ومخادعة ومن الخطورة تصديقها. أي مجتمع به كثير من المرضى النفسيين الذين لم ينحروا الآخرين، كما أن المجرمين والسارقين لا يرتكبون أعمالهم معتقدين أنهم يتقربون بها إلى الله، ولكن هذا ما يفعله الإرهابيون الذين يعتقدون أن عقيدتهم الدينية هي التي تدفعهم لارتكاب المجازر التي يعتقدون أنها ستدخلهم النعيم وتُحقق لهم الرضا الإلهي..

الآن نفس الشيء يعاد تكراره مع مجزرة لاس فيغاس وسيقولون ذات الأمر لو ارتكبت المجزرة في أي مكان آخر؛ هي فقط محاولة لخلط الأوراق والتشويش في قضية نحن مَنْ يجب أن نحرص على وضوحها أكثر من غيرنا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.