اكتمال الانقلاب على لبنان
كانت النظريّة التقليديّة حول لبنان تقول إن استقراره مرهون بتوازن في علاقاته بين «العرب» و«الغرب». فالاستقلال في 1943 حصل نتيجة توافق مصري- عراقي من جهة وبريطاني- أميركي من جهة أخرى. وقد كان من السهل ضمان هذا التوازن قبل صعود الناصرية في مصر والعالم العربيّ، إذ كانت علاقات الدول العربية بدول الغرب علاقات جيدة عموماً. لا بل كان هناك عدد من الدول العربية التي لم تكن قد أحرزت استقلالها بعد.
مع الناصرية، ولاسيما بعد 1956، بدأت الأمور تختلف، وخصوصاً مع قيام الوحدة المصرية- السورية في فبراير 1958 وولادة ما عُرف بـ«الجمهورية العربية المتحدة». ففضلاً عن الأسباب الكثيرة الأخرى، تشكل سوريا المحيطة بلبنان من الشمال والشرق معاً، مدخله الاقتصادي البري إلى سائر العالم العربي. وإذا أضفنا العلاقات والروابط الأخرى، وميول الهيمنة لدى النظام الناصري، أصبح مفهوماً أن ينفجر لبنان في مايو 1958، أي بعد أشهر قليلة على الوحدة المصرية- السورية.
ثم كان عهد الرئيس فؤاد شهاب الذي حاول بطريقته أن يتفادى أسباب الانفجار الأهلي في ذاك العام. هكذا نهض حكمه على توازن بين مصر من جهة والولايات المتحدة وفرنسا من جهة أخرى. واستمر هذا المبدأ معمولاً به حتى أواخر الستينيات، حين ضُربت الناصرية بهزيمة يونيو (حزيران) 1967، فيما نشأت المقاومة الفلسطينية في الأردن ولبنان. ومع هزيمة المقاومة في الحرب الأهلية التي عاشها الأردن في 1970- 1971، صار لبنان «الساحة» الوحيدة لمجابهة إسرائيل وتحمّل غاراتها الانتقامية الشرسة، الجوية منها والبرية. هكذا تسلح المسيحيون، ثم تسلح الشيعة، وما لبثت أن نشبت حرب السنتين الأهلية- الإقليمية في 1975.
ومع إمساك «سوريا الأسد» بلبنان، أُلحقت السياسة اللبنانية، الداخلية كما الخارجية، بالسياسة السورية ومصالح النظام في دمشق. وهذا ما اتخذ شكلاً فاقعاً في الثمانينيات، حين صارت «عروبة لبنان» تعني الوقوف مع سوريا ضد مصر والعراق والخليج والأردن وفلسطين والمغرب! وهذا بينما كان خطف الرعايا الغربيين في بيروت يقدم لبنان بوصفه مغارة إيران المتحالفة مع سوريا.
وهي الوجهة التي عرفت الكثير من المد والجزر إلى أن استعادت شيئاً من التوازن التقليدي بعد اتفاق الطائف في 1989. ففي مقابل الدفع الذي كان يمارسه النظام الأمني السوري و«حزب الله» في اتجاه معين، كان الرئيس رفيق الحريري يدفع في اتجاه آخر بحيث لا تنحصر علاقات لبنان العربية بسوريا وحدها، ولا تتردى علاقاته مع الدول الغربية، وخصوصاً منها الولايات المتحدة وفرنسا.
ومع مصرع الحريري في 2005 تلاحقت الأسباب والظروف التي جعلت «حزب الله» صاحب اليد العليا في السياسة اللبنانية. وبفعل تدخله العسكري في سوريا من جهة، وانتخاب حليفه ميشال عون رئيساً للجمهورية من جهة أخرى، وضعف فاعلية المعارضة الداخلية لـ«حزب الله» من جهة ثالثة، توسعت رقعة النفوذ الذي يمارسه هذا الحزب على المفاصل الأساسية للحياة اللبنانية. وهذا إنما يرتّب وضعاً كالذي نعيشه اليوم، والمهدَّد بالتفاقم في القريب العاجل، ومؤداه تكريس الانقلاب على النظرية التقليدية لتوازن لبنان. فـ«الحصة» الإيرانية في القرار اللبناني لا تني تتقدم وتقضم في طريقها «حصص» البلدان العربية والغربية سواء بسواء. ويُخشى إذا ما تصاعدت العقوبات المالية والمصرفية الأميركية على لبنان، بسبب «حزب الله»، أن ينعكس ذاك الانقلاب على حياة المواطنين اللبنانيين فرداً فرداً، بعد انعكاسه على صورة لبنان ووظائفه التقليدية.
ولكن الأسوأ بإطلاق أن الطرف الذي يُدفع لبنان دفعاً إلى السير وراءه، على حساب صورته ووظائفه التقليدية، لا يملك ما يقدمه إلا الأعباء على اللبنانيين. أما حين يصل الأمر إلى الاقتصاد أو التعليم أو «النموذج» بصورة أعرض، فلا نلقى إلا الإفلاس الشامل.
* نقلا عن "الاتحاد"