ترمب الشعبوي وترمب الدولي

ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

القضية الجدلية الأكثر إثارة في الداخل الأميركي ليست إيران بالطبع، ولكن قضية رياضية وحقوقية غرد حولها الرئيس الأميركي ترمب، وتحولت بعدها إلى وطنية خلقت انقساماً اجتماعياً وسياسياً واسعاً.

لاعبو كرة القدم الأميركية قرروا إظهار اعتراضهم على التفاوت العرقي بحق السود بالجثو على ركبهم حينما يعزف النشيد الوطني الأميركي، الأمر الذي اعتبره ترمب إهانة للعلم ولأميركا وللجنود الذين ضحوا بأرواحهم من أجله. وتقمص بعد ذلك شخصية رئيس الشركة، واقترح على اتحاد الكرة الأميركية عقاباً إدارياً لهؤلاء اللاعبين العصاة: "أوقفوهم أولاً، وإذا كرروها اطردوهم".

إذا كنت تحتار في إيجاد الشخصية الشعبوية لترمب فهذه هي القصة المثالية. اختار أن يقتحم أهم رياضة، ويتحدى أشهر اللاعبين، ويتلاعب بالمشاعر القومية ورمزية العلم الأميركي عند الوجدان الشعبي.

كل هذا يفعله ترمب من أجل أميركا التي يباركها الرب؟ طبعاً لا، بل من أجل توسيع قاعدته الانتخابية وتجييش أنصاره. وعلى الرغم من أن هناك بعض الكتاب والمحللين من انتقده إلا أن المناخ السياسي الانتخابي في أميركا تغير كثيراً في الأعوام الأخيرة مع دخول المال والإعلام ومؤخراً السوشيال ميديا بقوة في السياسة مع تآكل ثقل الأحزاب الكلاسيكية (لنتذكر أن ترمب نجح رغماً عن الحزب الجمهوري الذي فضل عليه جيب بوش). عملياً انتهت مرحلة اللعب النظيف ويجوز استخدام كل الفضائح والوسائل حتى القذرة منها لتلطيخ خصومك في الوحل. ليس ترمب فقط يفعلها، ولكن حتى منافسوه، ولنتذكر فقط التسجيل الصوتي الجنسي له الذي سربه خصومه لصحيفة "الواشنطن بوست" قبل شهر واحد فقط من موعد الانتخابات الرئاسية في محاولة لدفنه حياً.

لكن أكثر واحد يختلف عن ترمب الشعبوي هو ترمب الدولي. من المهم أن نتعرف على هذا الفرق بين الشخصيتين الذي يتأكد مع مرور الوقت حتى نتعرف على نهج الإدارة الخارجي ونقيمه بالطريقة الصحيحة بدون أن ننخدع بحملة المعارضة الداخلية التي لديها دوافعها الخاصة والمنطقية بالنسبة لها. جزء كبير من الحملة الدعائية على الرئيس الأميركي دوافعها داخلية (مثل موضوع التدخل الروسي في الانتخابات) أو اجتماعية (موقفه الحزبي ضد زواج المثليين) وليست خارجية دولية تمس مصير دول حول العالم.

ترمب الشعبوي يتلاسن مع الميديا الأميركية ويتهمها بتزييف الأخبار، ولكن ترمب الدولي هو الرجل الذي أمر بضرب مطار الشعيرات بـ 59 صاروخ توماهوك بعد مجزرة خان شيخون الكيمياوية. ترمب الشعبوي يغرد لمنتصف الليل ساخراً ومهاجماً، وفي الصباح التالي يعلن عن استراتيجية مهمة لمواجهة طهران وميليشياتها. وفي الوقت الذي يستخدم لغة شعبية ويطلب من اللاعبين الوقوف احتراماً للعلم الأميركي يعد فريقه خطة لردع بيونغ يانغ. وكذلك ترمب الشعبوي يعتمد على نفسه وحسابه في تويتر الآن بعد خروج مستشاره الاستراتيجي ستيف بانون، ولكن ترمب الدولي يعتمد على عقول أعضاء بارزين في إدارته، مثل وزير الدفاع ماتيس، ومستشار الأمن القومي ماكماستر، ورئيس الاستخبارات مايك بومبيو، وكل هذه شخصيات متمرسة وضليعة في الشأن الدولي وغير مشغولة بالتناكد الحزبي ومعركة عض الأصابع بين رئيسهم والصحافيين.

فرق كبير بين ترمب الشعبوي والدولي، ولكن كثيراً يحاسبون الثاني بجريرة الأول. وهذا يأتي بسبب صعوبة الجمع بين الشخصيتين المتناقضتين بشكل كبير، وفي أحيان كثيرة بطريقة متعمدة ومقصودة. لهذا فإن الانتقادات بكون إدارة الرئيس الأميركي انعزالية غير دقيقة إلا إذا خلطنا الشعبوي بالدولي.

والواقع أن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما التي تحظى بالمديح ووصفت بالدولية ولكنها انتهت لتكون انعزالية وسلبية. والمشكلة الرئيسية أنها راهنت على فكرة بروز عدد من المحاور الدولية التي ستتحمل عبئاً من المحافظة على النظام الدولي مع الولايات المتحدة الأميركية التي لا تريد أن تكون شرطي العالم، ولكن النتائج كانت مخيبة. لم تحافظ هذه المحاور الجديدة مثل روسيا على المعايير الدولية، لأنها في الأساس تعارضه منذ بدأت في معاهدة ويستالفيا في عام 1684، حيث تشكل بداية النظام الدولي الجديد الذي نعرفه اليوم.

أكبر هذه الخيبات كانت في سوريا، حيث شهدنا مجازر ترتكب طوال سنوات على يد نظام الأسد، وبدل أن تهب القوى العالمية الجديدة لمعاقبة القاتل قامت بمعاقبة المقتول، وهزت الثقة بقيمة العدالة الدولية التي حمتها القوى الغربية لعقود. وتحت ظلال هذا النظام الدولي متعدد المحاور شهدنا اتفاقيات مثيرة للجدل، مثل الاتفاق النووي الإيراني الذي يغض الطرف عن المجازر المروعة التي ترتكبها الميليشيات الشيعية التابعة لطهران.

الاستراتيجية الترمبية للحرب على إيران تكشف بشكل واضح القيادة الدولية للإدارة الأميركية الجديدة الواقعية التي تسعى للمحافظة على النظام الدولي الليبرالي الذي قامت الولايات المتحدة بوراثته من الامبراطورية البريطانية المنهارة وحافظت عليه ووسعته بالقوة. وهي تختلف بشكل كبير عن نهج بوش الابن الذي انساق لهلوسات يقظة بمشروع زرع ديمقراطيات حول العالم، وبناء الأمم على الطريقة الغربية، وتحويل العراق إلى ألمانيا جديدة.

ولكن إدارة ترمب تخلصت بحكمة من هذه الأفكار المثالية، واستعادت الطريقة الأميركية القديمة الواقعية في إعادة العلاقة الوثيقة مع الحلفاء التاريخيين لدعم الاستقرار، وذلك عبر القضاء على أكبر مصدرين للفوضى في المنطقة، جماعات الإرهاب والإسلام السياسي السنية والشيعية، وكذلك الأنظمة المارقة مثل النظام الإيراني.

ولكن هذه التطورات المهمة على المستوى الدولي لن تكون واضحة إذا سيطر ترمب الشعبوي وتغريداته على المشهد، وهي ما جعلت كاتباً يتحسر حتى على سرير أوباما في البيت الأبيض ويتعجب بالقول: "كيف للسرير الذي نام عليه رجل ذكي ومثقف كأوباما أن ينام عليه رجل جاهل وغوغائي مثل ترمب؟".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط