المؤرخ ولاعب الكرة والجمهور

عبد الرحيم كمال

نشر في: آخر تحديث:

وضع محمد صلاح الكرة أمامه ووقفت عقارب الساعة. ثمانٍ وعشرون سنة على اكتاف الجمهور في كفة، وبضع ثوانٍ لتحقيق الأمل في كفة أخرى، الناس بالملايين ينتظرون وقد تحولوا إلى قنبلة موقوتة ستنفجر بالإحباط بعد ثوانٍ أو تنفجر بالفرح.

الثبات والتركيز والنظر للأمام وضرب الكرة بالقدم حتى تسكن الشباك حتى يتحقق حلم دولة عريقة يحتاج إلى بطل حقيقي، ليست البطولة في المهارة والتسديد فقط لكنها في الثبات النفسي وإدراك اللحظة حتى يؤدي الجسد والقدم مهمتهما المطلوبة، لحظة تفرق بين شعورين وتنقل من حال إلى حال، وينجح المحترف محمد صلاح في أداء مهمته وكأن أحلام الوطن تنتظر المحترفين بحق. المحترف يؤدي مهمته بعيدا عن (الشو الإعلامي)، يصنع المطلوب منه بدقة، ينجح الفتى الشاب ولا يستعرض مثل المؤرخ المخضرم أمام الكاميرات بأكبر قدر من المعلومات المغلوطة، محمد صلاح سدد الكرة فبدد أوهاماً كثيرة بدد بقدمه ثقافة لفظية وجعجعة وهري يومي على مواقع التواصل الاجتماعي.

ربما كان هناك قبل جيل محمد صلاح أجيال أكثر حرفنة ولعبا سحريا بالكرة، لكنه يمثل الجيل الأكثر احترافا، الجيل الذي عرفت أقدامه الملاعب البعيدة وهتفت الجماهير بلسانها الأعجمي باسمه في مدرجاتها المرتبة، تعامل محمد صلاح مع اللحظة بإيجابية وسرعة ودقة لم يشغله الماضي ولَم يرتبك من المستقبل، إنها اللحظة فقط. هو والكرة والمرمى والزمن المتاح، لا تحتاج الأوطان إلى مؤرخ مشغول بنفسه أكثر من انشغاله بمادته العلمية، يحاول أن يجعل زاوية الكاميرا ثابتة نحو وجهه هو وفمه المتحرك بمقولات، يعتقد أنها حجرا في الماء الراكد لكنها زبد يذهب جفاء.

اللاعب احترم اللحظة ووصل للهدف وأسعد الجمهور وانتقل بِه الي مستقبل جديد ووضعهم في الحلم، وهم في حالة اليقظة والمؤرخ أثار اللغط وشكك فيمن لا يجدي الشك من ورائهم شيئا فارتبك المهتم واستاء العارف والتقط الإعلام والسوشيال ميديا القصة وضاع عمر الجمهور في حرب تافهة جديدة، اللحظة تحتاج قدم محمد صلاح المحترفة فقط عَل أقداما وأيادي وأفواها وعقولا أخرى تصنع ما صنعته تلك القدم المحترفة في اللحظة الحاسمة، فيعي الجميع الدرس وهو أن يستحضر تلك القدم كل صاحب حرفة، وينظر أمامه فقط وإلى المطلوب منه في كل لحظة حتى تنجينا قدم اللاعب المحترفة من عقل المؤرخ المزهو بذاته.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.